الثقافة ليست دولابا خامسا ولا هي بنت جارية

على المثقفين العرب أن يتّحدوا لإنقاذ الثقافة من الظلم المشروع.
الأربعاء 2021/07/28
جمهور الثقافة الأكثر التزاما بالبروتوكولات الصحية

تعاني تونس منذ انتشار وباء كوفيد – 19 في مارس 2020 إلى اليوم حالة ركود ثقافية تتضخم يوما بعد يوم. فشلل شبه كلي أصاب مختلف أركان العمل الثقافي، ورغم محاولات بعض التظاهرات الفكاك من هذا الواقع الصعب، فإنه يبدو بأن هناك نوعا من التراخي في التعامل مع التظاهرات والأنشطة وخاصة المنتج الثقافي، على اعتبار أن الثقافة ثانوية.

هو تشبيه قد لا يليق ـ أدبا ـ بالثقافة والمثقفين ضمن منطق اللغة والاستعارة، لكنه مقاربة مقنعة لمن يحس بوطأة هذا التصحر الثقافي الذي أصاب العالم بسبب جائحة كورونا، وآلية البحث عن مخرجات لا تأتي إلا على حساب الثقافة والمثقفين.

تقول العبارة التي أوردها أحد المهتمين بالشأن الثقافي في مدونته على شكل تساؤل “لماذا تعامل الثقافة في بلادنا في ظل الجائحة، مثل جحش قصير.. يمتطيه كل من هبّ ودبّ، يشبعه ضربا عند كل أزمة، يحرمه نصيبه من العلف، ويحمّله مسؤولية التقصير الذي بدر من زملائه في المزرعة؟”.

وإذا مضينا في هذه المقاربة المخجلة حقيقة في عالم الثقافة والحيوان على حد سواء، فإن “الجحش القصير” في بلادنا العربية، يتحمّل دائما، مسؤولية جوع زملائه في المزرعة وحاجاتهم، رغم أنه هو الذي يأتيهم بالعلف والتبن، ويضمن بقاءهم على قيد الحياة على المدى البعيد.

مطالب شعبوية

الجحش القصير

لننه هذا التشبيه الجائر ونمضي مباشرة إلى حال الثقافة في جائحة كورونا لنكتشف أن الجميع يتحدث بلغة “كل شيء للقضية” في ظل هذه الجائحة، ولا يجد أمامه إلا الثقافة للاقتطاع من نصيبها وكأنها أمر زائد على الحاجة.

وفي هذا الصدد تساءلت جريدة تونسية بقولها لماذا تجد الثقافة في تونس نفسها في مواجهة فايروس كورونا وفي مواجهة قرارات الدولة القاضية بإلغاء التظاهرات الثقافية والفنية وغلق المسارح وقاعات السينما ودور الثقافة لتبقى الثقافة وإنتاجاتها رهن الرفوف لا مكان لها في عالم يعيش صراعا مع عدوّ خفيّ عجزت الدول العظمى عن التصدي له.

وكذلك تساءلت منابر إعلامية وثقافية كثيرة في العالم العربي عن هذا “الظلم المشروع” في اقتطاع حصة الثقافة لصالح الشأن الصحي الذي يقدر الجميع دوره، ولكن لماذا تدعمه الثقافة وحدها دون غيرها من القطاعات الأخرى؟

الجميع يقدر الشأن الصحي ودوره وأهميته الآن، ولكن لماذا تدعمه الثقافة وحدها دون غيرها من القطاعات الأخرى؟

حسنا، سنمضي بهذا الخيار نحو أقصاه، ونبصم أننا في حرب ضروس تفرض على الجميع التنازل عند سلم الأولويات، سواء كان في التزام البروتوكولات الصحية أو التخلي عن بعض المخصّصات في سبيل هذه الحرب الشاملة، ولكننا نطالب المعاملة بالمثل كأضعف الإيمان.

لماذا لم ينتبه المشرفون على إدارة هذه الحرب ضد كورونا أن الثقافة هي من أقوى وأفعل الجبهات في مواجهة الوباء عبر برامج توعوية تطال الصغار والكبار، ولا تشمل أصحاب المراويل البيضاء وحدهم، ولا مرتدي البدلات الأمنية والعسكرية في واجب الوقاية وتطبيق القوانين الزاجرة، بل كذلك أهل الفن والثقافة ضمن حدود الالتزام بالبروتوكولات الصحية.

اقتطاع ميزانية الثقافة لصالح الصحة هو نوع من الشعبوية الرخيصة التي ينادي بها الحزبيون والسياسيون وغيرهم من المخدوعين حتى في الوسط الثقافي. كان الأجدر هو دعم كل القطاعات لصالح مكافحة الوباء لأن لكل دوره من موقعه. وللثقافة دور تشهد به أعتى الحروب وأشرسها، ولنا في موقف الزعيم البريطاني وينستون تشرشل، في الحرب العالمية الثانية، أسوة حسنة، وخير دليل على أن الجميع في جبهة واحدة، وبسلاح لا يقل فاعلية عن غيره.

المثقفون بدورهم تخاذلوا، واستكانوا لما يروّجه الشعبويون من “ضرورة التضحية” في مجابهة كورونا، ظنا منهم أن المعركة لا تعنيهم، وعليهم الانتظار إلى أن ينهي أصحاب المراويل البيضاء والسترات السوداء والخضراء مهماتهم.

بعضهم اكتفى بالإشارة إلى هول الجائحة ودعا إلى حلول ترقيعية ذات نفس استسلامي وإن كان في ظاهره مطلبي مثل المرحوم التونسي علي مصابحية، الذي أشار قبل وفاته إلى أن التجربة أثبتت أن القطاع الثقافي كان من أكثر القطاعات هشاشة وعانى ولا يزال من تبعات كل ما يقيد حرية الفاعلين في الصناعة الثقافية خاصة وأن هذه الحرية باتت مصادرة من عدوّ غير تقليدي، واكتفى بالدعوة إلى تحصين المثقفين والفنانين عبر حقوق قانونية واجتماعية تضمن عيشهم الكريم في الأزمات.

لكن الأبعد والأعمق من ذلك كله ليس الجلوس على الربوة أو تحت الحائط بل المبادرة وتأكيد الحضور، وعدم القبول بتلك الدعوات الشعبوية القائلة إن على المثقف أن يتنازل عن دوره الطلائعي ويترك المجال للسياسي أو الميداني تحت ذريعة سلّم الأولويات.

بنت الجارية

احترام البروتوكولات الصحية

الوضع الثقافي بائس في بلد كان يعج نشاطات مثل تونس، ويتنفس أهله فنا وفكرا في البعدين الثقافي والترفيهي. هل أغلقت دور السينما والمسرح وشتى العروض أبوابها لتفسح المجال لأسرة الأوكسجين؟

كفانا ضحكا على أنفسنا وكفى القيمين الفاشلين في محاربة الوباء استغفالا للناس. جمهور الفن والثقافة أحرص الناس على احترام البروتوكولات الصحية قبل رواد الملاعب الرياضية والأسواق التجارية، وحتى طوابير طلاب التلاقيح العشوائية.

يشهد التاريخ الحديث أن المكتبات ودور الأوبرا كانت تفتح الأبواب لروّادها في أشد الظروف حلكة بالبلدان المتقدمة، ولم تحرم حكومات غربية شعوبها من كسرة الثقافة والفن في أقسى حالاتها.

الفاسدون والمتخلفون هم الذين يرون الثقافة حاجة خارجة عن اللزوم، ويتذرعون بفكرة الأولويات الضرورية والأدبيات الاستراتيجية، في الوقت الذي يصرفون فيه مخصصات الثقافة على غير الثقافة.

خلاصة القول إن وباء كورونا لا يفتك بعشاق الفن والثقافة لأنهم يتقنون كل أساليب التوقي منه ويحذرونه جيدا وهم يقاومونه بالمزيد من المعرفة والاستمتاع كوسيلة مثلى لحب الحياة والذود عنها. ولا بد من أن يتوحد المثقفون العرب في سبيل توجيه دعوة صريحة إلى حكوماتهم بعدم استخدام الثقافة كدولاب خامس وشيء من لزوم ما لا يلزم.

هذه التعلة الكبرى في تحجيم دور الثقافة والفن وتهميشها تحت ذريعة الأولويات في جدوى مقاومة الوباء، باتت واهنة وغير مقنعة، أما الأخطر منها هو أن البعض من المثقفين قد اقتنعوا بها وتخلوا طواعية عن دورهم، مما يعزز القناعة أنهم غير مقتنعين بأدوارهم أصلا.

إلى متى تبقى الثقافة في عالمنا العربي تُعامل كـ”بنت الجارية” وتتنازل عن حصتها عند أول أكذوبة مثل “المجهود الحربي” الذي كان يقتطع مني شخصيا، عند كل مقالة أو عمل مسرحي كنت أقدمه في سوريا منذ سنوات قليلة.

14