الثقافة والثقة والتنمية

الجمعة 2015/05/29

نظرا لمركزية البعد الثقافي في حياة الشعوب فإننا نجد المفكرين والمربين والمصلحين الاجتماعيين في المجتمعات التي تقودها الثقافة والفكر يشددون على ضرورة ترقية جميع العناصر التي تشكل ظاهرة الثقافة، وأنه لا يمكن لنا أن نفهم أي مجتمع إلا إذا أدركنا أنه تكوين ثقافي واعتبرنا هذا التكوين أسلوب حياة وتعبيرا نوعيا عن روح وضمير الشعب. لا شك أن الثقافة كوعي وكممارسة لهذا الوعي مرتبطة ارتباطا عضويا بالتنمية بكل أشكالها المادية والرمزية وأنه حيث لا يكون هذا الربط حاضرا وفاعلا على صعيد جميع بنيات المجتمع فإن التنمية فيه تصاب بالجمود والشلل.

ففي السنوات الأخيرة خاصة قد لاحظنا انغماس أبرز المفكرين والمنظرين الغربيين في البحث في كيفيات ترقية الثقافة، كما رأينا الجامعات ومراكز البحث العلمي والتكوين التربوي في بلدانهم تخصص ميزانيات ضخمة للنهوض بها. في هذا السياق أيضا يلاحظ المرء انقلابا حاسما حتى لدى أقطاب الفكر السياسي الذين أصبحوا يراهنون بالدرجة الأولى على الدور المركزي للثقافة في صنع العلاقات الدولية وفي ربح معركة الاستقطاب والانفراد بالتأثير، ومن هؤلاء يمكن ذكر “جوزيف ني” الذي انفرد بنظرية القوة الناعمة التي تعني أساسا قوة الثقافة والحضارة، وصموئيل هنتنغتون الذي يعتقد أن هوية الناس في عصرنا يصنعها الإبداع الفكري والثقافي والفني، وليس الأيديولوجيا باعتبارها وعيا زائفا كما كان الوضع في فترة الحرب الباردة، وفرنسيس فوكوياما الذي أبرز في كتابه المتميز “الثقة: الفضائل الاجتماعية وإبداع الازدهار” أن معيار التقدم السياسي والاجتماعي مرهون بالرخاء الثقافي الذي هو الشرط الأساسي لأي تنمية ناجحة ودائمة في القرن الواحد والعشرين.

في تقدير فوكوياما فإن التقدم الثقافي متزامن مع عمليات بناء وازع الثقة في المجتمع، ومشروط بـ”قوة واستقرار بنية العائلة، وديمومة المؤسسات “، وأن هذه كلها لا يمكن أن تشرّع لوجودها الحكومة كما تشرّع لإنشاء البنك المركزي أو للجيش لأن المجتمع المدني الناجح يعتمد على العادات، والأعراف، والأخلاقيات التي هي الصفات المميزة التي يمكن أن تشكل فقط على نحو غير مباشر من خلال الفعل السياسي الواعي الذي يجب أن يغذّى بواسطة الإدراك المتزايد والاحترام للثقافة”.

ويضيف هذا المفكر مبرزا أن “المجال الأكثر حسما، ربما في الحياة الحديثة حيث تمارس الثقافة تأثيرا مباشرا على العيش الرغيد في المستوى الوطني وعلى النظام الدولي، هو الاقتصاد”. ولكن الاقتصاد ليس كيانا مستقلا أو جزيرة مكتفية بذاتها وإنما هو مؤسس جوهريا على البعد الاجتماعي المؤسس بدوره على ركيزة الشرط الثقافي الذي يقرر بدوره مصيرهما معا. إذا كانت أهمية ودور الثقافة هكذا فلماذا تعامل الثقافة في بلداننا كمجرد فولكلوريات ومهرجانات وليس كطاقة روحية خلاقة تصنع الإنسان العصري الجديد؟

كاتب من الجزائر مقيم بلندن

15