الثقافة و"الجمبري" وحرية التعبير

الأربعاء 2016/03/09

نشر عدد من الصحف المصرية قبل أيام، خبرا سرعان ما تداوله الكثير من الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي بسخرية مريرة، هذا الخبر يقول إن محافظ الإسكندرية دعا وزير الثقافة المصري حلمي النمنم (ومعهما بالطبع عدد من المسؤولين والصحافيين) على وجبة غداء مكونة من الأسماك والمأكولات البحرية، وخصوصا “الجمبري” (الذي يعدّ الأكثر غلاء من حيث سعره)، وأن تكاليف العشاء بلغت 40 ألف جنيه مصري (حسب مصدر إعلامي) من أموال دافعي الضرائب المصريين.

واستنكر المعلقون على الخبر ما اعتبروه نوعا من البذخ في وقت تصرخ الحكومة من تراجع الموارد المالية، ويطالب الرئيس الشعب بشدّ الأحزمة والتبرع بما يستطيعون ولو بجنيه واحد يوميا، من أجل مصر.

وسواء صحّ هذا الخبر أو لم يصحّ، أي سواء التهم وزير الثقافة النمنم السمك و“الجمبري”، أو جلس يتفرج على من يأكلون بوقاره المعهود، علما بأنه غير معروف أصلا بالإقبال على الطعام، وهو أمر واضح في تكوينه الجسماني، فالمشكلة ليست في وجبة السمك و“الجمبري”، ولا في 40 ألف جنيه وهو مبلغ ضئيل، إذا ما قسمناه على نحو 80 شخصا قيل إنهم كانوا بصحبة المحافظ والوزير.

كان حلمي النمنم قبل تعيينه وزيرا، يخوض الكثير من السجالات ضدّ جماعات الفكر الظلامي المتخلف، وكان يكتب وينشر المقالات التي تنتقد الكثير من الممارسات المتخلفة، فما الذي حدث الآن؟ ولماذا تضاءلـت أو اختفـت ردود فعل حلمي النمنم، بعـد أن أصبـح مسؤولا عن الملف الثقافي الرسمي، أمـام كل مـا يحدث من تدخلات سافرة في النشاط الثقـافي المصري؟ كيف يمكن على سبيل المثال تبرير صمت وزير الثقافة إزاء إحالة رنا السبكي، ابنة المنتج السينمائي المعروف محمد السبكي، إلى القضاء بدعوى أن الفيلم الذي أنتجته وعرض منذ أكثر من سنة في مصر، وهو فيلم “ريجاتا”، يخدش الحياء العام ويحرض الشباب على الفجور، ثم صدور حكم من المحكمة طبقا لهـذه التهمـة، بمعاقبتهـا بالسجن لمـدة عام؟

ربما يرى البعض أن الوزير لا يحق له التعليق على أحكام القضاء، لكن أين كان الوزير أصلا عندما تم تحريك الدعوى الجنائية ضد منتجة فيلم أجازه جهاز الرقابة على المصنفات الفنية التابع لوزارة الثقافة؟ فإما أن الرقابة أخطأت، وأنها بالتالي كانت أقل احتراما لقيم المجتمع، ولا مانع لديها من التحريض -سينمائيا- على الفجور والانحلال بين الشباب، وإمّا أن الدعـوى الجنائيـة أصـلا في غير محلهـا، وكان لا بد للوزير الذي سبق وأن أصدر تصريحات نارية تشـدد على “علمانية الدولة المصرية”، أن يكـون له مـوقف واضـح.

لكننا لا نجد موقفا عمليا واحدا للوزير من كل ما يحدث من تدخلات وضغوط. فما الذي فعله الوزير بعد صدور ثلاثة أحكام بالسجن ضد ثلاثة من المثقفين، أحدثها الحكم الذي صدر ضـد الكاتب أحمد ناجي بتهمة نشر الفجور والانحلال، بعد نشر فصل من روايته في صحيفة أدبية تصدر عن مؤسسة مـن مؤسسـات الدولة المصرية؟

أين تتجه مصر اليوم في ظل هذه الهجمة الشرسة التي لم نعرف لها مثيلا من قبل، ولا نعرف لها حدودا، والتي جعلت مؤسسات الدولة تختلف وتتناقض ويواجه بعضها بعضا في ما يتعلق بأهم أسس المجتمعات الحديثة؛ أي حرية الفكر والرأي والإبداع في إطار القانون؟ وما هو القانون الذي يقرر كيف يجب أن يكتب الكاتب، وكيف يعبـر الشاعر؟ وكيف يكـون هناك قانون مكتـوب للرقابة على الأفـلام مثلا، يلتزم به السينمـائي لتجيز الرقـابة (وهي كلمة بغيضة أصلا) فيلمه؟ ثـم يأتي من يقرر معاقبة من أنتجه (دون منع الفيلم نفسه الـذي لا يـزال يعرض)، وهي مفـارقة مضحكة بالطبع.

والغريب أن هـذه النـزعـة “المتطرفة” في معاقبة المثقفين والمبدعين، تأتي في وقت تتعالى فيه أصوات الكثيرين داخل وخارج السلطة، تحذر من الجنوح نحـو التطرف والإرهاب الفكري باسم الدين.. فهل هناك إرهاب أكثر من هذا؟

ناقد سينمائي مصري مقيم في لندن

16