الثقافة والحرب

الاثنين 2014/08/11

تعتبر هذه الحرب الأولى من نوعها فلسطينيا من عدة زوايا: هي أولا أول حرب فاصلة يخوضها الشعب الفلسطيني على أرض فلسطين. وثانيا، بقواه الذاتية دون أيّة مساعدة عربية، بل إن العرب الرسميين، باستثناءات قليلة، إعلامية مثلا، كان لهم موقف سلبي وبعضهم متواطئ. كما يمكن القول أيضا إن الشعب الفلسطيني وقواه المقاتلة يستخدمون صواريخ فلسطينية الصنع إلى حدّ ما.

يضاف إلى ذلك أن الفلسطينيين يخوضون هذه الحرب في أسوإ ظروف إقليمية ودولية على الإطلاق، الأمر الذي يضعهم في مواجهة جيش إسرائيلي هو الرابع في العالم من حيث القوة. هي إذن وفق تعبير أحد المعلقين الإسرائيليين. حرب النملة والفيل. هي الحرب المستحيلة إذن. ومع ذلك استطاعت هذه النملة أن تصمد صمودا أسطوريا في وجه العدوان الهمجي.

ندخل الآن في الجذور الثقافية التاريخية لهذه الحرب، ونعود إلى بيروت 1977، وإلى منطقة الفكهاني،أحد أهم معاقل المقاومة الفلسطينية في بيروت، حيث فوجئ المثقفون والسياسيون بصدور بيان غريب يحمل اسما أكثر غرابة هو: المانفستو الجنائزي رقم صفر. وقعه كل كاتب هذه السطور، والكاتب التونسي الصافي سعيد وبلغة يسارية متطورة قريبة من لغة اليسار الفرنسي آنذاك، دعا البيان إلى إنشاء مجلة ثقافية تحمل عنوان نصوص مضادة. كما شن هجوما كاسحا على فكرة المؤسسة، وذلك على خلفية المؤسسات الفلسطينية فوق البيروقراطية المترهلة، والتي اعتبرنا أنها تشكل خطرا حقيقيا على الثورة، وقد لخصت الموقف كما يلي: لقد تمّ اختزال الثورة في مؤسسات، وهذه اختزلت في رجل بعينه اسمه ياسر عرفات.

كان المانفيستو الجنائزي مقدمة لإشهار تيار رصيف 81، والذي ظهر بعد سنتين من ظهور المانفستو. وقد أصدرنا، ودون تلقي أية مساعدة رسمية من إصدار مجلة تحمل نفس الاسم.

وأهم ما في المجلة كان بيان الرصيف الذي قمت بصياغته. إن الرصيف هو ثورة نوعية داخل الثورة، لتثقيفها وتحديثها، واستبدال المؤسسات البيروقراطية، بتيار شعبي يضم الهامشيين، وينزع قبضة البيروقراطية. وعموما كان الرصيف نظرية مستقبلية، تنبأت فيها بأننا مقبلون على زمن أحادي القطب، نكون فيه الهامش او الرصيف الذي يحاور المركز ديمقراطيا، وسميته بالخيار النوعي الثالث، الذي حددنا فيه العلاقة بالقطب الدولي الجديد، على أساس، لا قطيعة ولا تبعية وأضفنا أن رصيفنا أممي ودياليكتيكي.

خرجنا من بيروت عام 1972 وكان عليّ أن أنتظر حوالي 33 سنة حتى يدخل الجميع في الرصيف لنخوض حربنا المضادة. الآن المجال لا يتسع إلا لخطوط عريضة.


شاعر وكاتب من فلسطين

15