الثقافة والسياسة في الجزائر

أوضاع الثقافة في الجزائر لم تشهد يوما ازدهارا مطردا منذ نيل الجزائر للاستقلال، بل إن المسؤولين الجزائريين ما فتئوا يحشرون الشأن الثقافي بكل حقوله في العربة الأخيرة من قطار التنمية الوطنية المتعثرة.
الجمعة 2018/09/14
سياسات فرضت عزلة ثقافية وفنية على البلاد

خلال الأيام القليلة الماضية وقّع ما لا يقل عن مئة مثقف جزائري بيانا موجها إلى وزارة الثقافة الجزائرية أبرزوا فيه تردي أوضاع الثقافة في الجزائر، ولكن لم يحصل أي رد فعل من طرف المسؤولين في هذه المؤسسة على هذا البيان حتى الآن.

لقد طالب الموقعون على البيان المذكور آنفا بوضع سياسة ثقافية، ولكن فهمهم لمصطلح السياسة الثقافية مختزل في الخطة على المدى المتوسط والطويل. ويمثل هذا النمط من الفهم الشكلي للسياسة الثقافية استمرارا لما عرفته الجزائر في الثمانينات من القرن الماضي حين أنشأ النظام الجزائري لجنة وطنية كلفها بإنجاز ملف السياسة الثقافية تحت إشراف لجنة الثقافة والإعلام والتربية التابعة للأمانة التنفيذية للجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني، وقد أضيف محتوى ذلك الملف إلى المحاور الأساسية الخاصة بالثقافة والهوية الوطنية المدرجة في الميثاق الوطني الذي تم إعداده والمصادقة عليه في ذلك الوقت.

من الضروري التذكير بأن التشريعات الثقافية الشكلية والقليلة جدا التي أصدرها النظام الجزائري بقيت شكلية ولم ترقَ يوما إلى بناء معمار بيئة ثقافية وفكرية وفنية حديثة وعصرية تمكن الفاعلين الثقافيين من بناء الثقافة الوطنية المتطورة والمتفتحة على الثقافات الإنسانية.

عمليا فإن أوضاع الثقافة في الجزائر لم تشهد يوما ازدهارا مطردا منذ نيل الجزائر للاستقلال، بل إن المسؤولين الجزائريين ما فتئوا يحشرون الشأن الثقافي بكل حقوله في العربة الأخيرة من قطار التنمية الوطنية المتعثرة.

ظاهريا يبدو الجانب الهيكلي للثقافة والفنون راهنا أفضل مما كان عليه في الماضي وخاصة بعد فصل وزارة الثقافة عن وزارة الإعلام وتكنولوجيا الاتصال، ثم السماح بإنشاء مئات الجمعيات والروابط الثقافية الصورية التابعة فضلا عن عدد كبير من دور النشر التابعة للقطاع الخاص، والإكثار من الفضائيات التلفزيونية التابعة للخواص والإذاعات التابعة للدولة والتي بها أقسام ثقافية وفنية أسندت غالبا إلى أشخاص ليس لهم اختصاص أو تكوين ثقافي وفني وفكري جاد.

صحيح أيضا أن المسؤولين الجزائريين على قطاع الثقافة والفنون قد رصدوا ميزانيات معتبرة لبناء دور للثقافة في كل المحافظات الجزائرية كما عيّنوا لها مديرين للثقافة على نحو متداخل الصلاحيات ومربك لتنفيذ العمل الثقافي والفني ميدانيا، ولكن هذه البنيات المادية بقيت مجرد هياكل من دون روح حيث لم تلعب أي دور في إنجاز الإقلاع الثقافي في الجزائر الأمر الذي فرض العزلة الثقافية والفنية والفكرية على البلاد وأبعدها عن محيطها المغاربي وعن عمقها العربي والأفريقي وعن الفضاء العالمي بشكل عام.

15