الثقافة والصوت

الحياة الثقافية بمعطياتها المبتكرة ستفرض هذا النوع من القراءات وسيكون للأصوات حيز في ذاكرة التلقي العام.
الخميس 2018/06/14
القارئ الصوتي الجديد لا يزال غامضا

ظاهرة “قراءة” الكتب الصوتية بدأت تأخذ حيّزا من الحياة الثقافية باستثمار معطيات الثورة الثالثة في تكنولوجيا الإلكترونيات والاتصالات، وتحولت الذهنية الفردية إلى ذهنية سماعية بدلا من القرائية، وهو تحول يثير أسئلة كثيرة تبدأ من المزاج الشخصي النفسي وتنتشر إلى المزاج الاجتماعي العام، وبالتالي فإن مثل هذه الظاهرة تفسّر إلى حد ما القارئ الجديد الذي وُلد مع هذه الثورة العملاقة التي تُنبئ عن معطيات سريعة قريبة من الخيال أو تفوق الخيال في معظم الأحيان، وتشي بتحولات النمط المعتاد إلى نمط جديد في العلاقات اليومية، كما في الجانب الثقافي حينما بدأنا نصل إلى مستوى من العلاقة الجديدة بين القارئ والكاتب. ولم يعد الهامش ممكنا كما لم يعد المتن هو المهيمن كليا في هذه العملية المتبادلة بين المؤلف وقارئه.

هذا يتطلب دراسات نفسية وعصبية معمّقة وأخرى اجتماعية لا تقل عنها عمقا في رصد مثل هذه الظواهر الجديدة التي جاءت بها ثورة تكنولوجيا الإلكترونيات، وحوّلت القراءة البَصَرية إلى سمعية في محاولة جدية لإلغاء الكتاب الورقي والصحيفة الورقية وتوطين القراءة السمعية عبر زر صغير وسلك رفيع في تحول مثير يقوم على ذهنية الاستماع بدلا من رائحة الحبر والورق كما اعتدنا عليه قرونا طويلة؛ ومثل هذه الدراسات المفترضة ستقف على أولويات كثيرة من بينها فرز القدرات الذهنية الجديدة التي تستوعب هذا الفائض من الأصوات المتعددة ومدى إمكانياتها في التأثير المعرفي على خلايا المخ كما يحصل عادة في القراءة المباشرة، حيث يمكن إعادة الصفحات وقراءتها واستيعابها ومراجعتها دائما بما يعزز القدرات الذهنية بشكل إيجابي لخزن الكثير من المعارف، كما تشير القراءة إلى إمكانيات تدفق الدم إلى مناطق معينة في الدماغ  لتكون المسؤولة عن التركيز والتهيؤ لاستقبال المعلومات الجديدة وخزنها ضمن نطاق المعرفة الكلية بما يسمح لإعادتها ثانية عند الضرورة والطلب.

الدراسات النفسية والعصبية الفسلجية عليها أن تبحث عن تساؤلات مهمة حول مناطق الدماغ التي ينعدم فيها سريان الدم أثناء الاستقبال الصوتي وهل تبقى مهارات الاكتساب ناجعة صوتياً وهل يمكن أن تُنشئ علاقات جديدة ومهارات سريعة أخرى تعين على الخزن المعرفي الضامن لديمومة الاستقبال الصحيح عبر الصوت؟

إن مثل هذه الأسئلة وعلى دقتها العلمية ستفرز بعضا من مزايا العصر القرائي الجديد أمام الآلة الكمبيوترية وأزرارها الناعمة وأسلاكها الرفيعة ودقتها في إلقاء الأثر الأدبي الإبداعي صوتا، وأمام مثل هذه التحولات الجديدة التي لم تعد خيالا عابرا للواقع علينا أولا أن نثق بالمعالجات الطبيعية النفسية في استكشافاتها الطبية ومعالجاتها النفسية والعصبية والفسلجية، وثانيا أن نستوعب هذا الإجراء الصوتي الجديد الذي أخذت بعض المنافذ العربية بتسويقه بشكل ضامن للحقوق المادية للمؤلفين، لكننا لا نعرف مدى تأثيراته الواقعية على عملية القراءة الصوتية، لا سيما إذا تساءلنا عن أن القارئ الصوتي الجديد لا يزال غامضا، كأنه أسير إلكتروني لم يُفصح بعد عن إمكانياته الإبداعية بأن يكون قارئا فعالا محايثا للمؤلف بحسب نظريات التلقي والقراءة.

الكتاب الصوتي. القراءة الصوتية. التلقي الصوتي. ومن ثم النظريات الصوتية التي ستظهر تباعا مُنظّرَة لهذا المجال المستحدث من الإلكترونيات، كلها وقائع حقيقية لا مجال للخيال فيها إلا بمقدار خيالها الجديد الذي أضفى عليها نوعا من الغموض، وربما عدم القبول راهنا، غير أن الحياة الثقافية بمعطياتها المبتكرة ستفرض هذا النوع من القراءات وسيكون للأصوات حيز في ذاكرة التلقي العام، وربما يساعد هذا على تنشيط الحفظ القسري واتساع الذاكرة نسبيا لتلقي المعارف والعلوم، أما بالنسبة للفحص النفسي والعصبي والفسلجي نرى أنه سيتأخر إلى حد بعيد، بينما ستمضي القراءة الصوتية بعيدا في مجالها الجديد.

14