الثقافة والفكرة ومالك بن نبي

السبت 2014/10/11

ماذا يعني المفكر الجزائري مالك بن نبي بمفهوم الفاعلية؟ وهل هو موجود في مجتمعاتنا، غير أنه معلق ومعطل فقط، أم إنه غير مؤسس في الثقافة العربية على مستوى النظرية والممارسة معا؟ وهل أن بناء الفاعلية في الذهنيات وفي السلوك يمكن مجتمعاتنا من النهوض والتقدم؟ ثم هل يفقد هذا المفهوم قيمته إذا لم يمس الجهد الذي يبذل في عملية بناء مستويات مختلفة يرى بن نبي أنها مترابطة ومتبادلة التأثير وهي: “.1- الدستور الخلقي، 2- الذوق الجمالي، 3- المنطق العملي، 4- الصناعة، أي التقنية”؟ يرى بن نبي أن “فاعلية الفكرة رهينة شروط نفسية واجتماعية تتنوع بتنوع الزمان والمكان”.

كما أنه ينطلق من قناعة أن توفّر أفكار عظيمة لا يؤدي ميكانيكيا ومباشرة إلى تحقيق فاعليتها في الواقع، والدليل على ذلك أن “تراث ابن خلدون قد ظهر في العالم الإسلامي، وهو مع ذلك لم يسهم في تقدمه العقلي أو العملي، لأنَ هذا التراث في ذلك العصر كان يمثل فكرة لا صلة إطلاقا لها بالوسط الاجتماعي”. وهنا يبرز أن “الفكرة من حيث كونها فكرة ليست مصدرا للثقافة، أعني عنصرا صالحا لتحديد سلوك ونمط معين من أنماط الحياة، فإن فاعليتها ذات علاقة وظيفية بطبيعة علاقتها بمجموع الشروط النفسية الزمنية، التي ينطبع بها مستوى الحضارة في المجتمع”.

فالفاعلية حسب مالك بن نبي تعني طريقة سلوك الفرد أمام مشكلات الحياة. وفي هذا الخصوص يقدم التوضيح التالي: “فمن الملاحظ أن طالب الطب المسلم الذي يذهب لتلقي علومه في إحدى العواصم الأوروبية، يحصل على الدبلوم نفسه الذي يحصل عليه زميله الأنكليزي، بل إنه كثيرا ما يتفوق عليه إذا ما كان أكثر استعدادا وذكاء، لكنه لا يحصل غالبا على فاعليته. وليس لدينا سوى وجه واحد لتفسير هذا الاختلال، هو أنَ الفاعلية الاجتماعية لا علاقة لها بمنهج الكلية، وإنما تعتمد بصفة عامة على أسلوب الحياة في مجتمع معين وعلى السلوك الذي ينتهجه الفرد كيما ينسجم مع هذا الأسلوب”.

أعتقد أن مالك بن نبي محق في هذا ولكنه ينسى نقطة مهمة وهي أن الفاعلية مرتبطة أيضا بالبنية المؤسساتية التي يكون فيها الفرد وهذا ما يفسر نجاح الكثير من علمائنا داخل بنيات مؤسسات الغرب، وإخفاقهم عندما يحشرون في بنيات مؤسسات بلداننا والعالم الثالث بصفة عامة. فالبنية ليست مجرد هيكل خارجي وإنما هي هوية الإطار العام المحدد للعلاقات، والسلوك، والمناخ النفسي، والتصرف، والمنهج فيه، وبذلك فهي الموجهة للفاعلية وكثيرا ما تكون الحافز المنتج لها أيضا.


كاتب من الجزائر

16