الثقافة واللغة شرطان لميلاد الذات

الكشف عن المكوّنات المضمرة للذوات في النص الروائي، مشروط بتحليل مضامين لاوعي لغة تلك الذوات المختلفة في اللحظات التي تتماهى أو تتفاعل أو تتناقض مع نفسها أو مع الذوات الأخرى.
الجمعة 2019/09/20
يجب أن تخرج الذات من المرحلة الخيالية إلى المرحلة الرمزية (لوحة: إيمان شقاق)

يحتلّ مفهوما الذات والآخر مساحة واسعة في مشهد النقاش الفكري المعاصر، حيث هناك التأويل المعرفي والسيكولوجي لهما، وهناك حينا أيضا مقاربات سياسية لتحليلهما وهذا ما نفتقد إليه في حياتنا النقدية النظرية والتطبيقية في الغالب. وفي الحقيقة فإن هذا النقص يعود بالدرجة الأولى إلى عدم بروز أي محاولات ذات فرادة وقيمة مضافة عندنا لتحديث أو لتطوير نظريات وممارسات التحليل النفسي للثقافة باستثناء بعض المحاولات القليلة جدا، وأغلبها بقي يدور في فلك التحليل النفسي التقليدي، كما هو الحال عند جورج طرابيشي ومصطفى زيعور على سبيل المثال.

أما في السنوات الأخيرة فقد لفت انتباه الساحة الفكرية العربية كلّ من المفكّر والمحلل النفسي المصري المعروف بين أوساط المفكرين بفرنسا وعموم أوروبا وهو مصطفى صفوان، وكذا تلميذه عدنان حبّ الله، وخاصة في كتاباتهما التي يبرز فيها استيعاب وتمثّل مستجدات الفرويدية في تطوراتها الحديثة، وخاصة تلك التي ابتكرها المفكّر والمحلل النفسي الفرنسي الشهير جاك لاكان، علما أن بعض كتابات صفوان وحبّ الله مكرسة أساسا لتحليل وزعزعة ثنائية الذكورة والأنوثة في الثقافة العربية، ولتفكيك مشكلات المجتمع العربي ذات الطابع الثقافي والسياسي معا.

الفرق بين تنظير ديكارت للذات، وتنظير لاكان لها، يكمن في أنّ “ذات” ديكارت هي “ذات” الفكر في حين أنّ “الذات” عند لاكان هي “ذات” اللغة، والاجتماعي

يبدو واضحا أنّ هذه المساهمات المتميزة بقيت وحيدة، حيث لم تشهد الساحة الفكرية عندنا ظهور أجيال جديدة تواصل تطوير جهود صفوان نظريا وممارسة، من خلال وضعها على محك خصائص مجتمعاتنا. في هذا الخصوص نتساءل: ماذا نعني بالذاتية وكيف تتكوّن وتبني في المجتمع، وهل توجد الذات خارج اللغة مثلا؟ في هذا الصدد ينبغي القول إنّ فهم الذات وعلاقة ميلادها بالتاريخ أمر ضروري، خاصة وأنّ سبر عمليات تشكّلها معقّد جدا.

يجمع نقاد الفكر المعاصر أنّ ما يسمّى في أدبيات التحليل النفسي بمرحلة المرأة تكتسي أهمية مركزية في تطور نظرية التحليل النفسي من جهة، وفي فهم كيف تولد الذات من جهة أخرى، حيث يعتبرها المفكّر البريطاني ديفيد مايسي بمثابة “اللحظة المهيكلة في حياة تطوّر الطفل”. ويبرز أيضا أن مرحلة المرآة هذه تحدث، حسب لاكان، “عندما يكون عمر الطفل يتراوح بين الشهر السادس وبين عام وستة أشهر حيث يبصر نفسه في المرآة، أو في ما يشبه ذلك، وفي هذه المرحلة يكون (الأنا) غير مشكّل على نحو يجعل الطفل في وضع يميّز شكله كوحدة متجانسة وكهوية”.

وفي هذا الصدد عرّف جان لابلانش، وج.ب بونتاليس مرحلة المرآة هذه بأنها “مرحلة تكوين الكائن الإنسان بواسطة التماهي بصورة الشبيه باعتبار شكلا كليا”، ثمّ يُبرزان أنّ هذا التماهي “يتجسّد بواسطة التجربة المحسوسة التي يدرك الطفل من خلالها صورته الذاتية في المرآة، وتكون مرحلة المرآة قالب ذلك الركن الذي سيشكّل الأنا في ما بعد”.

ونفهم من كلّ هذا أنّ مرحلة المرآة هي المرحلة التي يتوهم فيها الطفل بأنه “جزء من الأم ولا يرى افتراقا بينه وبين العالم: وفي هذه المرحلة يطوّر الطفل صورة جسدية عن نفسه، وما يدعى بالأنا – الجسد”، وبذلك يغترب عن نفسه وتنتهي مرحلة المرأة بدخول الطفل في المرحلة الأوديبية وفقا لاصطلاح فرويد أو في المرحلة الرمزية بتعبير لاكان، ويعني الدخول في عالم اللغة والثقافة والقيم الاجتماعية.

يشكّل دخول الطفل في المرحلة الرمزية عتبة ينتظر أن تفضي في الحالة الطبيعية إلى الفصل بين ما هو وهمي وبين ما هو حقيقي، أما إذا فشل حدوث هذا الفصل سواء لدى الطفل أو لدى حملة الوعي الثقافي في المجتمع فإنّ الذات الفردية تصاب بالأزمة ويحدث الشيء نفسه للمجتمع كذات سياسية أو كهوية ثقافية جماعيتين. لفهم كيف تولد الذات فإنه ينبغي تأمل عبارة لاكان الشهيرة وهي أنّ “اللاوعي مبني مثل اللغة” علما أنه قد توصل إلى هذه النتيجة على ضوء تحليله للفصل السابع من كتاب فرويد “تأويل الأحلام”، حيث تأكّد خلال ذلك التحليل أنّ الاستعارة والكناية هما المكوّنان للحلم فقط باعتباره قطبي اللغة التي تميّز اللاوعي البشري، وتبعا لذلك فقد تبيّن له أنّ الكشف عن مضامين لاوعي الذات البشرية مشروط حتما بتحليل قطبي الاستعارة والكناية المشكلين لهذا اللاوعي. على أساس ما تقدّم فإنه من المستحيل إدراك الذات خارج اللغة بمعناها الواسع أي كسجل رمزي، وفقا لهذا فإنّ الذات تولد ضمن شرط اللغة وفي سياقها وهذا ما يجعلها ظاهرة اجتماعية وتاريخية. يقول الناقد الثقافي مدان صاروب في هذا الخصوص “إنَ الذات الإنسانية مشكلة من خلال اللغة. إن الذات هي ذات الكلام وذات عرضة للغة”.

يجمع نقاد الفكر المعاصر أنّ ما يسمّى في أدبيات التحليل النفسي بمرحلة المرأة تكتسي أهمية مركزية في تطور نظرية التحليل النفسي من جهة، وفي فهم كيف تولد الذات من جهة أخرى

وهكذا فإنّ الكشف عن المكوّنات المضمرة للذوات في النص الروائي، مثلا، مشروط بتحليل مضامين لاوعي لغة تلك الذوات المختلفة في اللحظات التي تتماهى أو تتفاعل أو تتناقض مع نفسها أو مع الطبيعة أو مع الذوات الأخرى أيضا. في هذا السياق تذكرني المفكرة الفرنسية كوليت صولر “أنّ الذات تعلن عن وجودها عند ممارستها للكلام وللغة”، أي عند خروجها من المرحلة الخيالية “مرحلة المرآة” إلى المرحلة الرمزية التي هي لحظة دخول الطفل في البنية اللغوية، أي في الاجتماعي، أي عند استعماله للغة عن طريق لفظ كلمة “أنا” التي تفصله عن الآخر الذي تماهى معه بشكل مطلق ألا وهو الأم، وما يدعوه لاكان بـ”المرحلة الرمزية أو بقانون الأب أو بالسجل الاجتماعي”.

توضح كوليت صولر أن الفرق بين تنظير ديكارت للذات، وتنظير لاكان لها، يكمن في أنّ “ذات” ديكارت هي “ذات” الفكر في حين أنّ “الذات” عند لاكان هي “ذات” اللغة، والاجتماعي. بالنسبة إلى جاك لاكان فإنّ ذات المريض النفسي تختلف عن الذات التي ينظّر لها ديكارت في أمر أساسي وهو أنّ “الذات” عند ديكارت تستمد اليقين بنفسها لأنها موجودة في العالم عند ممارستها لعملية التفكير “أنا أفكر إذن فأنا موجود”، أما المريض نفسيا باعتباره ذاتا فإنّه يتكلم وهو في حضرة المحلل النفسي، ولكنه غير متيقن من وجوده والسبب في ذلك هو أنّه لا يدرك خطابه، أو لنقل بأنه لا يدرك بنية لاوعيه. بالنسبة للمريض نفسيا فإنّ يقينية وجوده في العالم لا توجد عنده إنّما توجد عند المحلل النفسي.

15