الثقافة والمجتمع الراكد

الثلاثاء 2017/07/11

نعرّف المجتمع الراكد بأنه ذلك المجتمع الذي يفتقر إلى أي قوى حية ونخبة تنتج عقله المفكر بالحياة وبالمصير. إنه الإستنقاع التاريخي الذي لا ينجب إلا الخراب. وبلغة أخرى: المجتمع الراكد هو الخالي من فئات صاعدة ذات مشروع تاريخي.

في مجتمع راكد كهذا تشهد الثقافة نوعاً من الموات أهم ملمح من ملامحه غياب المعارك الفكرية المرتبطة بالجديد. والمعارك الفكرية عادة تشترك فيها النخب وتكون حول أسئلة معرفية ومجتمعية وحضارية ومصيرية، ولكن في حال يكون المجتمع ناهضاً أو يكون في حال استقرار يجدد فيها نفسه دائماً. فالاستقرار المجتمعي هو نمط من حركة التاريخ المستمرة دون هزات عنيفة، وهذا هو الفرق بين الركود والاستقرار.

و إذا تأملنا واقعنا العربي قبل الانفجارات وبعدها سنجد أنها منذ الثمانينات من القرن الماضي حتى الآن لم تشهد صراعات فكرية مثمرة، وتيارات تختلف عبر النقاش حول أسئلة مصيرية.

مسألتان زائفتان شغلتا الفكر العربي فترة من الزمن أثناء المرحلة التي أتحدث عنها: التراث والغزو الثقافي. والشجار حول هذين الموضوعين لم ينجب إلا نصوصاً محدودة الإجابة: مع التراث، ضد التراث، تجديد التراث. مع الثقافة الغربية، ضد الثقافة الغربية، مع التوازن بين الثقافتين.

ما كان يمكن أن ينجب الواقع الراكد حوارات جدية حول المصير وإن كان هناك أفراد قد قبضوا على المشكلات العميقة. لكن هؤلاء الأفراد لم ينجبوا اختلافاً حوارياً حول القضايا التي نقلوها إلى مستوى التفكير.

فسؤال العلاقة بين الأيديولوجيا والتاريخ سؤال من أهم الأسئلة، ومن شأن الإجابة عنه الكشف عن الأوهام الأيديولوجية والرغبات الخلبية التي تحولت إلى أيديولوجيا تبرير للدكتاتوريات. لم تتحول هذه المشكلة إلى موضوع للنظر إلى دور الفكر في التاريخ وعلاقاته بالقوى التاريخية واستنهاض الوعي المتجاوز.

في المجتمع الراكد تتحول الاختلافات الصغيرة إلى صراعات كبرى مؤسسة على النفي المطلق للآخر. بل إن من سمات المجتمع موت الآخر، موت الآخر الذي يتطلب إعادة النظر بكل شيء. فلا تقدم إنسانيّا إذا لم ينتصر الآخر بوصفه حراً وصاحب حق.

المجتمع الراكد هو مجتمع اللغو، مجتمع القيل والقال، وتحويل المكتوب إلى شفاهي والشفاهي إلى مكتوب. لم تخض النخبة معركة كمعركة في الأدب الجاهلي أو كمعركة الإسلام وأصول الحكم ، وآية ذلك أن ذلك الزمان كان يغذ السير على طريق التقدم، فيما زمان الركود ينجب أشكال الوجود الزائف.

ولعمري إنّ النخبة العربية إن لم تتحرر من عقل الركود التاريخي وتفكر خارج الشجار حول التافه من الوقائع لا يمكن أن ترتقي إلى مستوى المعارك الفكرية التي تؤسس للمستقبل. أقول ذلك ونحن نعيش أكثر مراحل التاريخ العربي حبلى بالممكنات، وتطرح علينا سؤال المصير.

كاتب فلسطيني مقيم في الإمارات

14