الثقافة وصناعتها

في اللحظة التي تشكل الثقافة وصناعتها ببلداننا المنطقةَ المظلمة التي لا تغري لا المستثمرين ولا الجمهور ولا منتجيها، تحققُ هذه الصناعات ببلد كفرنسا أرقام معاملات توازي أرقام صناعة السيارات.
السبت 2018/04/07
الصناعات الثقافية بالعالم العربي تظل رهينة رزمة إكراهات تثقل كاهلها

أنجزتُ، قبل عشر سنوات، برفقة الباحث المغربي يحيى اليحياوي، بطلب من منظمة من اليونسكو، بحثا حول الصناعات الثقافات بدول المغرب العربي. كانت الصورة معتّمة. مر عقد على الدراسة ولم يتغير تقريبا أي شيء. نفس الصورة ونفس العتمة التي تحيط بقطاعات يُفترض فيها أن تتسم بالحركية التي تطبع المشهد الثقافي بدول أعطت للثقافة العربية الشيء الكثير.

ولا يبدو الحديث عن الحاجة إلى صناعات ثقافية حقيقية ترفا. بل يشكل ذلك ترجمة لتوجه الثقافة نحو الاشتغال وفق طريقة منمطة تطبع طرق إنتاجها وتداولها وتوزيعها، مع احتفاظها بخصوصياتها التي تطبع مختلف حقولها، والتي تتوزع، على سبيل المثال، على الكتاب والسينما والمسرح والموسيقى والوسائط السمعية والبصرية والصناعات التقليدية وغيرها.

وهو أمر يقتضيه الآن سياق، تطبعه من جهة حدة التنافسية التي يمكن أن تأتي على ممارسة الثقافة الهاوية، ويحكمه من جهة أخرى أثر التحولات الكبرى التي تشكلها تكنولوجيا المعلومات التي تُحول الآن، بشكل متسارع، طرق إنتاج وتداول المنتوجات الثقافية، حيث تتجه المنتوجات الإلكترونية الجديدة نحو احتلال مكان لها، لا يكف عن التوسع داخل سوق استهلاك الثقافة.

وفي مقابل ذلك، يبدو أن العالم العربي يختار موقع المتفرج على هذه التحولات التي يعرفها مجال الصناعات الثقافية، حيث يظلُّ ثقل هذه الصناعات، على المستوى الاقتصادي، محدودا، برغم الدعم الرسمي لها. إذ لا تتجاوز، على سبيل المثال، القيمة المضافة التي يحققها قطاع الطباعة والنشر بأكثر من بلد عربي الواحد بالمئة على مستوى الإنتاج الصناعي الوطني. ولعل الأمر نفسه يهم بدرجات متفاوتة نسبيا بقية الصناعات الثقافية.

ويبدو أن الصناعات الثقافية بالعالم العربي تظل رهينة رزمة إكراهات تثقل كاهلها. ولعل أهمها يكمن في تأخر ظهورها، فالكثير من الدول عرفت الطباعة والنشر والوسائل السمعية البصرية حديثا مقارنة مع بقية دول الكون. ولعل ذلك حال بلد كالمغرب الذي سينتظر نهاية القرن التاسع ليعرف دخول مطبعته الأولى على يد قاض من جنوب البلد، بينما سيتعرف المغاربة على المسرح، بمفهومه الحديث، خلال عشرينات القرن الماضي من خلال الفرق الفرنسية والإسبانية وأيضا المصرية التي كانت تزور البلد، وذلك خارج الحديث عن وجود ممارسات مسرحية تقليدية، ومن بينها البساط والحلقة وغيرهما.

 في حين سيتأجل ظهور أول فيلم سينمائي طويل إلى خمسينات القرن الماضي.  ولذلك كان عاديا أن لا يتجاوز عدد الأفلام التي تم إخراجها بالبلد إلى حدود نهاية القرن العشرين الأربعمئة فيلم، وذلك خارج الحديث عن قيمة ما ينتج.

في اللحظة التي تشكل الثقافة وصناعتها ببلداننا المنطقةَ المظلمة التي لا تغري لا المستثمرين ولا الجمهور ولا منتجيها، تحققُ هذه الصناعات ببلد كفرنسا أرقام معاملات توازي أرقام صناعة السيارات. وتلك صورة بلد تحتلُّ القصيدةُ حيزا مثيرا داخل حملات انتخاب رؤسائه.

15