الثقافة وطريق النجاة

الأربعاء 2016/03/09

تنحو الفنون في الدول العربية شيئا فشيئا إلى أن تصبح ظواهر مرتبطة بنخبة النخبة، بعد أن كانت في فترة سابقة ظاهرة نخبوية، والسبب ليس ترفا فكريا أصاب تلك الفنون، كالمسرح والسينما والتشكيل، بل هو خلل ضرب المجتمعات العربية حين تحوّلت المؤسسات الثقافية إلى دوائر ملحقة بالفروع الأمنية.

في هذه المرحلة التي أخذت ملامحها بالظهور منذ ثمانينات القرن العشرين، ولا تزال مستمرة حتى اليوم، أقيمت الأبنية الفخمة لاتحادات الكتاب، ولدوائر المسرح والسينما، وظهرت قصور الثقافة، وضخت ميزانيات ضخمة لتنظيم المهرجانات الكبرى، وقد ترافق ذلك مع موت المسرح العربي، وانحسار السينما الجادّة، وجنوح الفن التشكيلي نحو النزعة التجارية التي حوّلته إلى عنصر ديكوري لا أكثر، هدفه البيـع لصالات الأثاث أو للفنادق ذات الخمس النجوم.

لقد شكلت الثقافة والفنون الجادّة مصدر قلق للحاكم العربي على الدوام، وكان ثمة توجس من اجتماع نخب المثقفين في صالة الكندي في دمشق مثلا لمشاهدة فيلم، أو تزاحم المشاهدين لمتابعة مسرحية تجريبية في مسرح الورشة بالقاهرة، أو صدور كتاب يمكن أن يثير جدلا في هذه العاصمة أو تلك.

هذا النوع من الأنشطة كان يقلق الأجهزة الأمنية، فكان لا بدّ من مندوبين مخابراتيين برتبة كتّاب ومثقفين، لكي يحصوا على المثقفين أنفاسهم، ولكي لا تخرج شطحاتهم الفنية خارج الحدود المرسومة لها من تلك الدوائر، ولذلك لم يكن غريبا أن يركّب حينها، على سبيل المثال، مدير مؤسسة ثقافية سورية عريقة، هي المؤسسة العامة للسينما، نظام تنصت على المبدعين والموظفين، يغطي حتى دورات الميـاه، أو أن تقتصر مهمة اتحاد الكتاب العرب على دور الرقيب الذي يجيز أو يمنع هذا الديوان أو تلك الرواية، وليس الدفاع عن الكتاب والمثقفين الذين يتعرضون للملاحقة والاعتقال بسبب أفكارهم “المؤذية” و“الهدامة”.

كان مريحا للأنظمة الشمولية العربية أن تتحول الثقافة إلى مجرد مهرجانات سنوية، يلتقي فيها المبدعون ويشاهدون أفلام بعضهم البعض، ويتبادلون المجاملات، أو الانتقادات، ضمن أجواء مسيطر عليها، خاضعة لأقصى درجات الرقابة، ولكن ماذا كانت النتيجة؟ كارثة على المستويات كافة، كارثة وصلت مفاعيلها ونتائجها إلى تشرذم الجغـرافيا وتشتت المصائر، وتحوّل الكيانات العربية إلى مجرّد بيادق في لعبة الأمم.

حـين تتحول الفنـون والآداب إلـى ظـواهـر نخبوية، فهذا أقصى انحطاط يصيب أمة من الأمم، وما حدث في الربيع العربي، رغم الثمن الباهظ، هو نتيجة حتمية لذلك الخراب الذي زرعته أنظمة الفساد والقمع والظلم، وحتى يأتي يوم على العرب تعـود فيـه الفنون والآداب إلى موقعها الطبيعي بين الناس، نستطيع القول إن الأمة بدأت بالتعافي، وأن طريق النجاة بدأ.

كاتب من سوريا مقيم في الإمارات

14