الثقافة ونزع الأقنعة

السبت 2014/10/18

يعرّف إدوارد تايلور الثقافة بأنّها تلك الوحدة الكلّية المعقدة التي تشمل المعرفة والإيمان والفن والأخلاق والقانون والعادات، بالإضافة إلى أيّة قدرات وعادات أخرى يكتسبها الإنسان بوصفه عضوا في المجتمع. وهو الذي ذكر بأنّ الثقافة وفق هذا المفهوم شيء لا يمتلكه الإنسان.

بعيدا عن مزاعم التملّك أو الاستحواذ، ومقاصد التبعيّة والاستلحاق، تتصدّر الثقافة، بمعناها الشامل، الاهتمام، وتوجب الاستنارة والتنوير ونزع الأقنعة. فالبقاء تحت سلطة النقل تعطيل للعقل، وإبقاء الميادين مراتع للباحثين عن استعادة أمجاد متخيّلة سالفة هو هدم للحاضر والمستقبل. فهذا يتاجر بالدين وذاك بالقومية وآخر بالوطنيّة، والرابط المشترك بين هؤلاء هو المتاجرة، وإدامة الأحوال التي تبقي الناس محاصرين بالقيود والموانع.

كيف يمكن أن تبلغ الثقافة التكامل الحياتيّ تبدّد فيه غيوم الجهل والتجهيل وظلام الاستبداد، وألاعيب تسييس الدين؟ أليس الحث على التفكير أفضل سبيل لمواجهة الظلاميين والمكفّرين؟ ألا تستبطن كثير من الإشارات أبعادا رمزيّة يمكن تأويلها، وتوظيفها لأكثر من توجّه؟

يتناول المفكر كليفورد غيرتز في كتابه «تأويل الثقافات» مختلف الجوانب التي تتقاطع لتشكّل ثقافة شعب من الشعوب، ويجد أن الثقافة، تلك الوثيقة المتمثلة بالأفعال، هي شيء علني، وليس باطنيّا، ويبرز بأن الثقافة برغم أنها متعلقة بما هو فكري، إلا أنها ليست شيئا في داخل رأس المرء، وعلى الرغم أنها ليست شيئا ماديا، فهي ليست كيانا محجوبا. ويؤكد كذلك أن الثقافة شيء علني لأن المعنى هو شيء ظاهر علني. ويتوقف عند الاعتقاد المعرفي الخاطئ القائل بأن الثقافة تحتوي على مظاهر عقلية يمكنها أن تحلّل عن طريق مناهج شكلية مشابهة للمناهج المستعملة في علم الرياضيات أو المنطق، ويجد أن هذا الاعتقاد مدمّر لأي استعمال مفيد لهذا المفهوم بالدرجة التدميرية نفسها للاعتقادات الخاطئة التي يتمسّك بها السلوكيون والمثاليون.

يمكن القول إنّه حين تتجلّى الثقافة في الممارسات التي تعلي من شأن الإنسان، بعيدا عن تجييرها لخدمة هذا التوجّه أو ذاك، ومنحها الحيّز الذي تستحقّ من الاهتمام، ووضعها في مقدّمة القضايا التي تحتاج إلى اشتغال على تدعيمها لأنّها تساهم في التأسيس لمجتمع منفتح يتقبّل فيه الجميع بعضهم بعضا.


كاتب من سوريا

17