الثقة المفقودة بين الكاتب والناشر والحاجة إلى قوانين تنظم العلاقة

أغلب دور النشر لم تعد تهتم بالقيمة الأدبية أو الفكرية للكتاب بقدر ما تهتم بالربح الذي ستحققه من خلال النشر.
الثلاثاء 2019/06/18
اتساع الهوة بين الكتاب ودور النشر

مع تراجع مساحة النشر لدى مؤسسات الثقافة الرسمية، أصبح الناشر العربي يتحكم في صناعة الكتاب والنشر. هذا التحول في واقع النشر جعل إشكالية العلاقة بين الكاتب والناشر تزداد اتساعا، فالكاتب أصبح يشتكي من غياب الفرص المتاحة لنشر أعماله بعد أن أصبحت دور النشر تحمله مسؤولية دفع الكلفة المادية لطباعة الكتاب.

تتخذ شكوى الكاتب من الناشر أبعادا مختلفة. فالكاتب إذا كان يمتلك المال الكافي لطباعة أعماله، لا يستطيع معرفة حجم المبيعات الحقيقي من كتابه، كما ليس بمقدوره معرفة العدد الحقيقي لما طبع من نسخ. ويبرر الناشر هذه السياسة بأزمة مبيعات الكتاب ومحدودية الإقبال على القراءة ودورة رأس المال البطيئة. إن هذه القواعد المتبعة في النشر تحولت إلى سياسة عامة عند دور النشر الخاصة، ما يضع الكاتب أمام مأزق حقيقي يتجلى في غياب الخيارات المتاحة أمامه للنشر، إضافة إلى غياب المردود المادي الذي يعينه على متابعة حياته في ظل واقع اقتصادي ضاغط، يجعل جهده المبذول في التأليف دون أي تعويض يساعده على إتمام هذا العمل.

دور تبيع شهرتها

في نهاية الستينات ومرحلة السبعينات كانت هناك دور خاصة تهيمن على سوق النشر، وكان وجود شارة الدار كافيا للحصول على ثقة القارئ العربي بالقيمة الأدبية والفكرية للكتاب، سواء كان كتابا أدبيا أو فكريا. لقد التزمت هذه الدور بالقيمة الإبداعية للكتاب المنشور ومن خلال المحافظة على هذه المعايير كان كثير من الشعراء والكتاب العرب المبتدئين، يضطرون لدفع مقابل مادي لهذه الدور مقابل الموافقة على طباعة كتابهم. في هذا السياق كان القارئ يعتمد على جهة النشر في شراء الكتب التي يريد وكان المؤلف يحظى بالتقدير والانتشار والشهرة، لكن توسع سوق النشر في ما بعد وظهور الكثير من دور النشر الجديدة ساهما في اختلاط الأوراق وبات البحث عن الكتاب القيم يحتاج إلى كثير من البحث والجهد. لقد ساهمت هذه الدور في تأمين فرص النشر للكاتب المحلي في هذه الأقطار، لكنها بالمقابل وعلى الرغم من الجهد المبذول من قبل اتحاد الناشرين العرب لتنظيم العلاقة بين الناشر والمؤلف ظل الأخير يعيش تحت الناشر.

إن غياب المنافسة والخيارات أمام الكاتب جعل دور النشر تتحكم في سوق النشر، وعندما تسأل القائمين عليها عن سبب شكوى المؤلف يجيبون بأن تراجع القراءة في العالم العربي وصعوبة تسويق الكتاب هما السبب، بل إن بعضهم يشعرك أن النشر أصبح عملية خاسرة ماديا بالنسبة لهم، لكن الكاتب العربي يرفض هذه الذرائع معتمدا في موقفه هذا على التزايد المستمر في أعداد دور النشر، فإذا كانت هذه الصناعة خاسرة فلماذا تتزايد أعداد دور النشر العربية كل عام، ولماذا لا يترك الناشر معرضا واحدا في طول العالم العربي وعرضه دون أن يشارك فيه، على الرغم من الأعباء المادية التي تترتب على هذه المشاركة، والمجهود الكبير الذي تتطلبه هذه المشاركات خلال عام تتلاحق فيه المعارض بصورة دورية؟

لا شك أن عملية النشر لا تختلف عن أي مشروع تجاري آخر خاص، لذلك فإن البحث عن الربح أمر مشروع، لكن ماذا عن حقوق المؤلف وما هي الضوابط التي يمكن أن تنظم هذه العلاقة بصورة قانونية، خاصة أن أغلب دور النشر لم تعد تهتم بالقيمة الأدبية أو الفكرية للكتاب بقدر ما تهتم بالربح الذي ستحققه من خلال النشر؟

على الرغم من انحسار دورها حافظت دور النشر الرسمية على خلاف الدور الخاصة على دفع تعويض مادي على أساس الكلمة للمؤلف أو المترجم، لكن هذه المساحة المتاحة أمام المؤلف والمترجم العربي تخضع في الغالب لاعتبارات خاصة في النشر، إضافة إلى محدودية المساحة، ما يجعل فرصة النشر محدودة ومحكومة باعتبارات شخصية. إن أهمية هذا الدور الذي مازالت تقوم به هذه الدور يصطدم بمسألة التسويق لأن أغلب هذه الدور تعاني من مشكلات في تسويق مطبوعاتها، إما بسبب بيروقراطيتها، وإما لرغبتها في تقليل نفقاتها المادية، على خلاف ما تقوم به دور النشر الخاصة، التي لا تترك أي مناسبة دون أن تشارك فيها. كذلك هناك جودة الطباعة والإخراج الفني، إذ غالبا ما تعاني هذه المطبوعات من ضعف في مستواها الفني وتصميم أغلفتها إذا ما قورنت مطبوعاتها بمطبوعات العديد من دور النشر الخاصة.

كل هذه الأسباب تدفع بعض الكتاب حتى عندما تتاح لهم فرصة النشر في هذه الدور إلى أن يختاروا دور نشر خاصة لكي يحقق كتابهم الانتشار المطلوب، وأن يقدم بالصورة التي يستحقها فنيا.

المترجم خارج اللعبة

من حسن حظ المترجم أن سوق الكتاب مازال يعمل لصالحه. لقد ساهم الإقبال على الأعمال المترجمة من قبل القارئ العربي في تحسين شروط علاقة المترجم مع الناشر. غالبا ما يتقاضى المترجم تعويضا ماديا خاصا، وقد ساهمت معرفة المترجم بسوق الكتاب واهتمامات القارئ في جعله الأقدر على الاستفادة المادية والإعلامية من سوق النشر، حتى تحولت الترجمة عند بعض المترجمين إلى مهنة خاصة مربحة، في حين دفعت هذه الإغراءات المادية البعض الآخر من المترجمين لخوض هذه المغامرة والاعتماد على مترجمين مساعدين مقابل مبلغ رمزي لإنجاز الكثير من الأعمال المترجمة، مستغلا موقعه في هذه المؤسسة، أو سوق الكتاب وحاجة دور النشر لمزيد من الأعمال المترجمة من هذا الأدب أو ذاك، أو لهذا الكاتب أو غيره.

إن هذا الاختلال في علاقة الكاتب مع الناشر جعل الكاتب يقف حائرا أمام هذه الازدواجية في العلاقة، في حين أن البعض من المترجمين يشكون أيضا من الغبن الذي يلحق بهم، لأن الناشر يمكن أن يطبع ما يشاء من العمل المترجم الذي يلقى إقبالا من القراء دون أن يدفع تعويضا عن الزيادة في عدد الكتب المطبوعة. كذلك فإن حقوق المؤلف تضيع مع موته دون أن يكون هناك التزام قانوني من قبل الناشر بدفع التعويض المادي عن أي إعادة طبع لهذه الأعمال المترجمة. لذلك تحتاج صناعة النشر وسوق الكتاب إلى مجموعة من الضوابط القانونية على غرار ما هو موجود في الغرب. صحيح أن سوق الكتاب العربي يختلف عن مثيله في الغرب لكن لا بد من قواعد تحكم هذه العلاقة وتنظمها للحفاظ على حقوق الجميع مؤلفا ومترجما وناشرا.

14