الثقة بالغرباء في تعاملاتنا اليومية أسلوب حياة لا مفر منه

الناس يتعاونون في لعبة الثقة لأنهم يتبعون القواعد الاجتماعية التي تنص على وجوب الوثوق بشخص آخر ما لم يكن هناك سبب واضح لعدم القيام بذلك.
الأربعاء 2019/07/17
ثقة مفترضة

الثقة بالغرباء هي أسلوب حياة وسمة ملازمة للمجتمع الحديث. الأمر ببساطة، لا يكون بالمعنى المطلق؛ بأن نسلم ثقتنا كاملة لأول شخص نصادفه في الشارع، لكن الثقة بمعناها الذي تفرضه تعاملاتنا اليومية مع الناس الذين نلتقي بهم في المطعم وفي الباص، في صالون الحلاقة، في مؤسسة خدمية أو مدرسة، على مواقع الإنترنت لشراء السلع المختلفة وحتى في البنك. ويمثل استعدادنا للتعامل معهم من هذا المنطلق أمرا لا مفر منه وإلا فإن نظام العالم سيختل بالتأكيد، وتتوقف أغلب مظاهر الحياة اليومية.

أبسط الأمثلة على ذلك، عندما نتعامل مع عامل الصيانة أو البناء بشأن تقويم خلل ما في إحدى زوايا المنزل، فإننا نمنحه ثقتنا ونسمح له بالعمل لإصلاح هذا الخلل متوقعين أن يقوم بعمله بالشكل المطلوب وينجزه في الوقت المناسب، في المقابل، يمنحنا هذا العامل ثقته الكاملة في أن يحصل على أجره المتفق عليه بعد إنجازه العمل. ومن دون هذه الثقة المتبادلة بين الطرفين، حتى في حدودها الضيقة، فلن يقوم أحد بعمله ولن يتم تحقيق حاجاتنا اليومية.

هذا الأمر يسري على عمل المطاعم مثلا، فنحن نضع ثقتنا في أن يحمل إلينا المضيفون طعاماً نظيفاً وناضجاً فيما يتوقعون منا أن نقدم لهم المال الكافي لثمن وجبة الطعام، ثم يضع صاحب المطعم ثقته في هؤلاء ويتوقع منهم أن يقوموا بواجباتهم تجاه الزبائن على أكمل وجه، على أن يقوم هو نفسه بدفع أجورهم كاملة في نهاية الشهر. كل هذه العلاقات المتداخلة بين الغرباء لا يجمعها سوى الحاجة للآخر والثقة المتبادلة.

في الوقت الذي تضمن فيه إبرام العقود التجارية الموثقة حقوقنا المالية رسمياً في ما يتعلق بصفقات البيع والشراء والأعمال التجارية الكبرى، فإننا نعتمد في معظم الحالات اليومية على الثقة لكن بغير ضمان.

أما السرّ الذي يدفع الناس لوضع ثقتهم الكاملة في الغرباء، على الرغم من اعتقادهم بعدم سلامة الأمر، فكان موضوعاً لدراسة قام بها مجموعة من علماء النفس بإشراف د. ديفيد دوننغ من جامعة ميشيغان الأميركية، وذلك بقراءة الاتجاهات الحديثة في العلوم النفسية للخروج بتفسيرات محتملة لهذا السلوك الاجتماعي.

نتقبل المخاطرة بالتعاون مع الجميع في لعبة الثقة
نتقبل المخاطرة بالتعاون مع الجميع في لعبة الثقة

أما التفسير الأول الذي خرجت به الدراسة فله علاقة بالإيثار؛ الذي يتضمن قيامنا بشيء ما على حساب أنفسنا لمصلحتنا الشخصية أو مصلحة شخص آخر، فنحن نتبرع بوقتنا، ونتطوع بمنح الأموال للجمعيات الخيرية دون ضمان، ونساعد السيدات العجائز على عبور الشارع وقد لا نأتمن ردود أفعالهن، فيجعلنا ميلنا لمساعدة الآخر المحتاج نشعر بالراحة والرضا عن أنفسنا. هذا يعني، أن نتحمل مخاطر فقداننا ما نملك على أمل أن يستفيد الآخرون ونستفيد بدورنا لإرضاء رغبة ما في داخلنا.

تفسير آخر، بحسب الدراسة، يتعلق بتعزيز مكانتنا الاجتماعية، حيث يتبرع بعض الناس لمساعدة الآخرين مادياً فيضعون ثقتهم وما يملكون تحت تصرف المؤسسات المعنية وفي المقابل يحصلون على المكانة الاجتماعية المنشودة.

هكذا هي علاقتنا بالناس؛ نتقبل المخاطرة بالتعاون مع الجميع في لعبة الثقة حتى عندما لا ينطوي هذا على أي مكاسب اجتماعية واضحة. كل ما هناك أن الأمر يتعلق بالسمعة والمكانة العامة.

وبعيداً عن هذه التفسيرات، يرى ديفيد دوننغ وزملاؤه “أن الناس يتعاونون في لعبة الثقة لأنهم يعتقدون أن هذا ما يفترض أن يفعلونه، فهم يتبعون القواعد الاجتماعية التي تنص على وجوب الوثوق بشخص آخر ما لم يكن هناك سبب واضح لعدم القيام بذلك، حتى مع إيمان بعضهم بأن فرصة خيانة الثقة ربما تكون عالية إلى حد ما، مع ذلك، فإن امتنعوا عن فعل الثقة فإنهم في الغالب يشعرون بالذنب كونهم تصرفوا بأنانية”.

حين يتعرض الناس إلى مستويات عالية من التوتر والضغط النفسي فإن استعدادهم لتقديم العون ودعم الآخرين ينخفض بوضوح

من جانبه، يؤكد ديفيد لودن؛ كاتب وأستاذ علم النفس في كلية جورجيا غوينيت، أن الصراع بين ما هو صواب وما هو جيد يعتمد على مقدار الضغط الذي نواجهه، ومن خلال التجربة الشخصية نحن نؤمن مثلاً بنظامنا الغذائي الجيد لعدة أيام، لكن عندما تتفاقم المشاكل في العمل والمنزل فإننا سرعان ما نعود إلى تناول الوجبات السريعة مرة أخرى.

هكذا يحدث الأمر في طريقة تعاملنا مع موضوع مساعدة الآخرين والتبرع والثقة بالغرباء، فحين يتعرض الناس إلى مستويات عالية من التوتر والضغط النفسي فإن استعدادهم لتقديم العون ودعم الآخرين ينخفض بوضوح.

يوضح د. لودن في دراساته الاجتماعية أهمية اللغة باعتبارها عاملا مهما في عملية الإدراك والإقناع، ثم الانتباه، وتعزيز المهارات الحركية لتوجيه الحالات الذهنية حتى نبلغ القرارات في المواقف التي نتخذها وفق ذلك. من هذا المنطلق، في العالم المتغير والمتطور الذي نعيشه هذه الأيام فإن معظم الأشخاص الذين نتفاعل معهم هم من الغرباء حيث تكون نقطة الوصل بيننا هي اللغة، ولكي تستمر وتيرة الحياة اليومية فإنه يتعين علينا الثقة بهؤلاء الغرباء وقد لا تحقق هذه الثقة لهم أي فائدة تذكر، فالأمر يتعلق بالاستسلام للقواعد الاجتماعية التي تحتم علينا هذا السلوك نحوهم ما لم يكن هناك سبب وجيه لنفعل العكس، أي أن نشك في نواياهم تجاهنا. هذه هي القاعدة البسيطة التي يدور في فلكها عالم اليوم.

21