الثقل الميداني رهان طرفي الصراع في الجزائر عشية الانتخابات

دعوات الإضراب العام في الجزائر جاءت قوية غداة رسوخ قناعة بضرورة الضغط أكثر على السلطة التي لم تعد تكترث للمسيرات الشعبية.
الأحد 2019/12/08
الرافضون للانتخابات يوظفون كل إمكانياتهم

تزيد تطورات الأحداث في الجزائر من إرباك الوضع أكثر فأكثر، فمع بدء الاقتراع في الخارج يسعى الرافضون بكل جهودهم لإفشال الانتخابات الرئاسية ولاسيما مع بدء تنفيذ إضراب عام، الأحد، إلى غاية يوم الاقتراع المقرر الخميس.

الجزائر – تتجه الأنظار إلى التطورات المتسارعة في المشهد الجزائري بعد بلوغ التصعيد بين طرفي الصراع ذروته في الأيام الأخيرة التي تسبق الموعد الانتخابي المقرر الخميس القادم، ففيما بدأت عملية الاقتراع في المهجر تستمر التعبئة في الشارع من أجل إجهاض الاستحقاق والاستعداد للدخول في إضراب عام يشل البلاد.

وانطلقت عملية الاقتراع في المهجر لانتخاب رئيس جديد للجزائر وسط أجواء مشحونة أظهرت منذ صباح السبت عزوفا عن التصويت، بالموازاة مع تظاهرات احتجاجية نظمها الجزائريون المقيمون خارج البلاد أمام السفارات والقنصليات في عدة عواصم ومدن أوروبية، للتعبير عن رفضهم للاستحقاق الرئاسي والتمسك بالمطالب الأساسية للحراك الشعبي.

وأظهرت صور ومقاطع فيديو قلة الإقبال على مكاتب الاقتراع في مدينتي رامس وليون الفرنسيتين منذ الساعات الأولى لبداية العملية الانتخابية، وحضور العشرات من الرافضين للاستحقاق من أجل الضغط للحيلولة دون توافد الناخبين، في حين تم شل الحركة في مكاتب انتخاب بمدن أخرى.

وتقدر الجالية الجزائرية في الخارج بنحو ستة ملايين مهاجر، يقيم أغلبهم في أوروبا وبشكل أقل في أميركا وكندا، وهو ما يجعلها وعاء انتخابيا مهما سواء في المواعيد الداخلية، أو في الدول التي يقيمون فيها، خاصة في فرنسا، إلا أن غياب ثقافة التكتل أفقدها وزنها قياسا بالجاليات الأخرى.

ومع ذلك شهدت الجالية الجزائرية في الخارج مع بداية الحراك الشعبي المناهض للسلطة منذ عشرة أشهر انخراطا لافتا في الانحياز لمطالب الشارع في البلد، حيث نظمت عشرات المظاهرات والاحتجاجات غير المسبوقة، كانت أبرزها تظاهرات في ساحة الجمهورية بباريس، ومسيرة الأسبوع الماضي نحو مبنى الاتحاد الأوروبي ببروكسل للتعبير عن رفض التدخل الخارجي في شؤون البلاد الداخلية، ودعوة الحكومات الأوروبية إلى وقف ما أسمته بـ”التواطئ مع النظام الحاكم ضد الشعب الجزائري”.

وفيما سخّرت السلطة كل إمكانياتها المادية والبشرية من أجل إنجاح الاستحقاق الرئاسي ومحاولة إقناع الشارع الجزائري بالانخراط في الخيار الانتخابي، فهي لم تتوان في توظيف كل الأعمال الدعائية، بما فيها ما وصف بـ”السيناريوهات المفبركة حول أخطار الإرهاب وتفكيك الوحدة الوطنية والخطر الخارجي”.

وعادت الدعاية الإعلامية للسلطة في الآونة الأخيرة إلى إثارة المخاوف الأمنية والتحذير من التهديدات الخارجية بتوظيف خبر تفكيك أجهزة الأمن لشبكة جواسيس دولية وعملاء داخليين كانت تستهدف ضرب الاستقرار والوحدة الوطنية، حيث أشارت إلى أن شخصا من طاقم الحملة الانتخابية للمرشح علي بن فليس كان على صلة بشبكة دولية وبحركة استقلال القبائل “ماك”، من أجل اختراق الحراك الشعبي والاستحواذ عليه ودفعه إلى العنف والفوضى.

أجواء التصعيد لا تتوقف
أجواء التصعيد لا تتوقف

كما أفادت تقارير إعلامية محلية بأن أجهزة الأمن أحبطت محاولة تفجير محطة توزيع البنزين بإحدى مدن محافظة تلمسان في أقصى غرب البلاد، بواسطة قنبلة تقليدية، وأن العملية تزامنت مع زيارة قائد أركان الجيش الجنرال أحمد قايد صالح، إلى مقر الناحية العسكرية الثانية بوهران غير البعيدة عن محافظة تلمسان.

وإلى جانب التصعيد التي تنوي الجالية الجزائرية في الخارج القيام به خاصة خلال عطلة نهاية الأسبوع في بلدان أوروبية عديدة لإجهاض عملية الاقتراع التي بدأت السبت، تشهد البلاد تصعيدا آخر مع تنفيذ إضراب عام بداية من الأحد وحتى الخميس موعد الاقتراع استجابة لحملة تعبئة قوية على شبكات التواصل الاجتماعي وخلال جمعة الأسبوع الثاني والأربعين من عمر الحراك الشعبي.

وجاءت دعوات الإضراب العام قوية في احتجاجات الجمعة الأخير، غداة رسوخ قناعة لدى الشارع الجزائري بضرورة المرور إلى التصعيد والضغط أكثر على السلطة التي لم تعد تكترث للمسيرات الشعبية التي تخرج أسبوعيا منذ عشرة أشهر.

ويرى متابعون للشأن الجزائري أن طرفي الصراع انتقلا إلى السرعة القصوى لفرض كلّ منهما رؤيته على الآخر، وأن الحديث بدأ منذ الآن عن الوضع الجزائري بعد الانتخابات القادمة.

وفي ظل إصرار السلطة على تمرير مشروعها وتمسك الشارع برفضه، فإن الرئيس القادم سيجد أمامه في يومه الأول بقصر المرادية تركة أزمة ثقيلة ومعقدة.

وساهم احتراق أوراق السلطة الواحدة بعد الأخرى في تفاقم النيران الصديقة في معسكرها بشكل ينفر حتى المشككين أو المحايدين من الانخراط في الخيار الانتخابي، خاصة بعد التصريحات الأخيرة لكل من وزير الداخلية صلاح الدين دحمون، الذي وصف المعارضين للانتخابات بـ”الخونة والعملاء والشواذ”، ورئيس اللجنة المستقلة للانتخابات محمد شرفي، الذي صرح “المسيرات الداعمة للانتخابات أكثر وأكبر من مسيرات الحراك الشعبي”.

وأخفقت المناظرة التلفزيونية التي نظمتها السلطة في استقطاب الرأي العام المحلي، الذي خرج غير مقتنع وغير راض عن أداء ومشاريع المرشحين للانتخابات. ويبدو أن تواطؤا ما حدث بين مضمون ونوعية الأسئلة المطروحة وبين أداء المتنافسين على قصر المرادية، من أجل تعمد تجاهل المطالب والمسائل الجوهرية المطروحة في البلاد، كدور ونفوذ الجيش في السلطة وسجناء الرأي والانتقال الديمقراطي والشارع المنتفض.

2