الثلاثاء الحمراء وهبة البراق.. مقدمات للثورة الفلسطينية الكبرى

الاثنين 2013/09/02
الانتفاضات الفلسطينية لم تتوقف دفاعا عن الإرث العربي الإسلامي

على الرغم من مرور أربعة وثمانون عاماً 15-8-1929 على هبة البراق في كافة أنحاء فلسطين،لا تزال المحاولات الإسرائيلية لتهويده، وترسيخه في المتخيل الصهيوني على أنه حائط "المبكى" مستمرة ولم تتوقف البتة. لقد مهدت هبة البراق لانتفاضات شعبية فلسطينية عارمة حتى عام 1933، وقد كان ذلك بمثابة مقدمات للثورة الفلسطينية الكبرى في عام 1936، التي أسس لها المجاهد العربي الكبير عزالدين القسام قبل استشهاده في أحراج يعبد قرب الخليل .

وبات شهداء يوم الثلاثاء الحمراء الذين أعدموا في 1761930 في سجن عكا، ثلاثة رموز في تاريخ الكفاح الفلسطيني. في صبيحة الثلاثاء الحمراء في سجن عكا حيث أنّت المآذن وبكت الأسوار وانتحبت القدس وضج الأقصى، ارتقت إلى العلا أرواح المجاهدين فؤاد حجازي ابن مدينة صفد في الجليل الفلسطيني وهو أصغر الشهداء، ومحمد جمجوم وعطا الزير أبناء مدينة الخليل في الضفة الغربية، على أيدي المحتل البريطاني، لأنهم شاركوا شعبهم الفلسطيني في الهبة الوطنية لحماية حائط البراق من العصابات الصهيونية التي قدمت لامتلاكه وتدنيسه عام 1929 تحت حماية الجيش البريطاني.

وإثر نكبة عام 1948، لم تتوقف المخططات والإجراءات الإسرائيلية والصهيونية ولو للحظة واحدة لجهة فرض الأمر الواقع التهويدي على مدينة القدس ومعالمها المختلفة ومن بينها حائط البراق، حيث تطالعنا الصحافة الإسرائيلية والعربية على حد سواء في صباح كل يوم بأنباء حول حفر نفق أو تجريف أرض لتغيير معالم القدس العربية. وعلى مدى أكثر من أربعة عقود خلت قامت سلطات الاحتلال بحفر أنفاق مختلفة الطول من غرب المسجد الأقصى المبارك أي من حائط البراق ومن داخل المدينة المقدسة من جهة الشمال الغربي إضافة إلى الأنفاق التي كشف النقاب عنها من جهة الشرق من حي عين سلوان، حيث يبلغ طول آخر نفق يمتد من عين سلوان نحو 600 متر أسفل المسجد الأقصى باتجاه منطقة الكأس وهو بعمق 10 أمتار وعرض ما لا يقل عن 5 أمتار.

وقد شرعت سلطات الاحتلال منذ فترة طويلة في بناء نواة مدينة سياحية أسفل مسجد الصخرة المشرفة والكأس تضم كنيسا يهوديا لأداء طقوسهم اليهودية، وقد وضعوا مجسماً يمثل هيكل سليمان الثالث المزعوم فيه، كما تضم متحفا إسرائيليا يعرض فيه اليهود تاريخهم المزعوم، إضافة إلى إقامة معهد ديني يهودي لتعليم الشباب والفتيات الدين والتاريخ اليهودي المزيف، حيث ثمة محاولات إسرائيلية لفرض مصطلح حائط المبكى عوضا عن حائط البراق، وفي هذا السياق نحاول توضيح المقدمات التي أدت إلى هبة البراق في عام 1929، لكن قبل ذلك لا بد من الإشارة إلى أن حائط البراق هو جزء من الحائط الغربي للحرم الشريف في القدس.. وقد كان ادعاء اليهود ملكيته سببا في التوتر الذي نجمت عنه اضطرابات واشتباكات عنيفة خلال شهر آب سنة 1929 بين العرب واليهود في القدس وفي أنحاء عدة من مدن فلسطين.

وقد أرسلت الحكومة البريطانية إلى فلسطين لجنة تحقيق في أسباب الاضطرابات عرفت باسم (لجنة شو)، فأوصت هذه اللجنة بإرسال لجنة دولية لتحديد حقوق العرب واليهود في حائط البراق، وقد وافقت عصبة الأمم على هذه التوصية بقرار أصدرته يو 14/1/1930، وتشكلت بموجبه لجنة من ثلاثة أعضاء من غير الجنسية البريطانية مهمتها (تسوية مسألة حقوق المسلمين ومطالب اليهود في حائط المبكى) لأن هذه المسألة تستدعي حلا سريعاً نهائيا، وقد تألفت اللجنة من ثلاثة أعضاء من السويد وسويسرا وأندونيسيا، ووصلت إلى القدس في 19/6/1930 وبدأت عملها الذي استمر شهراً واحداً عقدت خلاله 33 جلسة، واستمعت إلى وجهات نظر الفريقين، العربي واليهودي، كما استمعت إلى شهادات 52 شاهدا قدمهم الفريقان اللذان زودا اللجنة أيضا بـ 61 وثيقة.

وكانت المشكلة الرئيسة التي واجهت اللجنة يوم ذاك تتمثل في محاولة الحركة الصهيونية قلب الوضع الراهن بالنسبة إلى الأماكن المقدسة، إذ ركزت جهودها، بادئ ذي بدء، على حائط البراق متبعة أساليب تدريجية تصاعدية تنتهي بها إلى ادعاء حق اليهود في ملكية حائط البراق على أنه حائط المبكى لليهود، وقد تمثلت المرحلة الأولى من تلك الخطة بجلب اليهود الكراسي والمصابيح والستائر على غير عادتهم السابقة، ووضع هذه الأدوات أمام الحائط ليحدثوا سابقة تمكنهم من ادعاء حق ملكية الأرض التي يضعون عليها هذه الأدوات، ومن ثم حق ملكية الحائط.

وانتهت اللجنة من وضع تقريرها في مطلع كانون الأول 1930، وخلصت فيه إلى استنتاجات حازت موافقة الحكومة البريطانية وعصبة الأمم معا، فأصبح بذلك وثيقة دولية هامة تثبت حق الشعب الفلسطيني في حائط البراق، وأهم هذه الاستنتاجات:

1 - تعود ملكية الحائط الغربي إلى المسلمين وحدهم، ولهم وحدهم الحق العيني فيه لأنه يؤلف جزءا لا يتجزأ من ساحة الحرم القدسي الشريف التي هي من أملاك الوقف، وتعود إليهم أيضا ملكية الرصيف الكائن أمام حائط البراق وأمام المحلة المعروفة بحارة المغاربة المقابلة للحائط، لكون الرصيف موقفاً حسب أحكام الشرع الإسلامي لجهات البر والخير. ‏

2 - أن أدوات العبادة أو غيرها من الأدوات التي يحق لليهود وضعها بالقرب من الحائط بالاستناد إلى أحكام هذا التقرير، أو الاتفاق بين الفريقين، لا يجوز في حال من الأحوال أن تعتبر أو أن يكون من شأنها إنشاء أي حق عيني لليهود في الحائط أو في الرصيف المجاور له.

3 - لليهود حرية السلوك إلى الحائط الغربي لإقامة التضرعات في جميع الأوقات مع مراعاة شروط حددها التقرير. ‏

4 - يمنع جلب أي خيمة أو ستار أو ما شابههما من الأدوات إلى الحائط.

5 - لا يسمح لليهود بنفخ البوق بالقرب من الجدار، وهكذا أثبتت اللجنة الدولية، بالرغم من وجود الانتداب البريطاني في فلسطين وشراسة الهجمة الصهيونية الاستعمارية آنذاك، أن حائط البراق أثر ومعلم إسلامي مقدس، وأن كل حجر فيه، والرصيف المقابل والمنطقة الملاصقة داخل أسوار المدينة القديمة ملك عربي ووقف إسلامي، وأن لا حق إطلاقا لليهود ولليهودية في ملكية آية ذرة من ذراته، وأن كل ما لليهود من حق هو إمكان زيارة الحائط فقط، بل إن هذا المكان مصدره التسامح العربي الإسلامي. ‏

ورغم عملية الإعدام التي نفذها الجيش البريطاني بقادة هبة البراق للدفاع عن قدسيته، وهم: محمد جمجوم وفؤاد حجازي وعطا الزير، فإن الهبات والانتفاضات الفلسطينية لم تتوقف من أجل الدفاع عن الإرث العربي والإسلامي الذي تمثله مدينة القدس بمعالمها المختلفة بما فيها حائط البراق الذي تحاول إسرائيل فرضه على أنه حائط المبكى لليهود، وما انتفاضة الأقصى وقبلها انتفاضة عام 1987، وكذلك أشكال الكفاح المختلفة التي يقوم بها الشعب الفلسطيني حتى اللحظة، سوى تعبيرات ماثلة للعيان لمواجهة السياسات والإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تهويد معالم القدس الجغرافية والتاريخية، بما فيها حائط البراق الذي يحتضن الحرم القدسي الشريف من جهة الغرب.

ويبقى القول بأنه قد برزت خلال التاريخ الكفاحي الفلسطيني الطويل قائمة تطول من الرموز الوطنية، ومن بينهم شهداء الثلاثاء الحمراء، حيث سطر الشعراء الكثير من أجل تخليدهم في ذاكرة شعبهم. وقد تم غناء البعض من بيوت الشهر منها:

من سجن عكا طلعت جنازة محمد جمجوم وفؤاد حجازي

جازي عليهم يا شعبي جازي المندوب السامي وربعه عموما

محمد جمجوم ومع عطا الزير فؤاد الحجازي عز الدخيرة

أنظر المقدم والتقاديري بحْكام الظالم تيعدمونا

ويقول محمد أن أولكم خوفي يا عطا أشرب حصرتكم

ويقول حجازي أنا أولكم ما نهاب الردى ولا المنونا

أمي الحنونة بالصوت تنادي ضاقت عليها كل البلادي

نادوا فؤاد مهجة فؤادِ قبل نتفرق تيودعونا

بنده ع عطا من وراء البابِ أختو تستنظر منو الجوابِ

عطا يا عطا زين الشبابِ تهجم عالعسكر ولا يهابونَ

خيي يا يوسف وصاتك أمي أوعي يا أختي بعدي تنهمي

لأجل هالوطن ضحيت بدمي كُلو لعيونك يا فلسطينا

ثلاثة ماتوا موت الأسودِ جودي يا أمة بالعطا جودي

علشان هالوطن بالروح جودي كرمل حريتو يعلقونا

نادى المنادي يا ناس إضرابِ يوم الثلاثة شنق الشبابِ

أهل الشجاعة عطا وفؤادِ ما يهابوا الردى ولا المنونا

12