الثمن الباهظ لانهيار بنية المجتمع في بلدان الخريف العربي

الاثنين 2014/10/13

يمكن لبعض التقديرات العالمية أن تحصي الجزء الظاهر من بعض خسائر البلدان العربية، نتيجة الفوضى التي حلت بها منذ بداية عام 2011، وقبل ذلك بنحو 8 سنوات في العراق، لكنها لن تتمكن من إحصاء ثمن الانهيار الأوسع في بنية المجتمع.

البنك الدولي يقول إن تكلفة أعمال العنف في 7 دول عربية خلال 3 سنوات تبلغ نحو 168 مليار دولار، لكن 10 أضعاف ذلك المبلغ لن تكفي لترميم الانهيار الذي قوض ما تم بناؤه على مدى قرون وربما آلاف السنين في كيان المجتمات العربية.

فالمعلم والفلاح والعامل والخباز، الذين كانوا يعملون في محيط متماسك اجتماعيا واقتصاديا قبل عام أو 3 أعوام، لن يتمكنوا من العودة الى طمأنينة ذلك النشاط، بعد أن تحولوا الى مشردين ومقاتلين، وربما قادهم الغضب والاستقطاب الى فصائل التطرف الإرهابية. وأصبحت تراودهم أهداف وشعارات وكوابيس ستمنعهم من العودة الى المربع الأول.

وماذا عن انهيار هرم التنظيم المتراكم في مؤسسات التعليم والصحة والخدمات، التي يمكن إحصاء خسائرها المباشرة، لكن من الصعب إعادة الأفراد الى مواقعهم لأداء عملهم بعد شطحت طموحاتهم الثورية والطائفية والعرقية.

تجربة العراق التي سبقت أحداث الربيع العربي بنحو 8 سنوات تؤكد أن إنفاق عشرات أضعاف القيمة المادية لما تم هدمه لا تكفي لإعادة بناء الجانب المعنوي والتنظيمي لتلك المؤسسات.

ما تم هدمه في العراق من الكيان المادي قد لا تتجاوز قيمته 100 مليار دولار، لكن إنفاق أكثر من تريليون دولار منذ عام 2003 لم يتمكن سوى من تعميق الكارثة، ولم يتمكن من تشكيل كيان عضوي يؤدي وظائفه كما كان عليه قبل ذلك العام.

ولم تتمكن تلك المبالغ من خلق تراتبية إدارية وهرم لدرجات الوظائف بحد أدنى من الانسجام، من أجل بناء الاحترام بين موظفي أجهزة الدولة من تعليم وصحة وخدمات، بعد أن تسلق "المناضلون" والمقاتلون والطائفيون، ليزيحوا ما تبقى من المهنيين في تلك الأجهزة.

تقديرات البنك الدولي تنحصر في التكلفة المباشرة لأعمال العنف في مصر وتونس وسوريا واليمن وليبيا، وتداعياتها على الأردن ولبنان، وهي تضعها عند 168 مليار دولار في الأعوام الثلاثة الماضية، أي ما يعادل 19 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي لتلك الدول.

وهي كما يقال مجرد الجزء الظاهر من جبل الجليد، ولن تكفي حتى 3 تريليونات دولار لترميم أجهزة ومؤسسات تلك الدول لتعود وتعمل بأدنى درجات المهنية والانسجام، ربما باستثناء مصر وتونس والأردن ولبنان التي لم يأتي الخراب المطلق على العمود الفقري للمؤسسات فيها.

أما البلدان الأخرى وهي سوريا واليمن وليبيا والعراق، فإن جميع أموال العالم لن تكفي لترميم الانهيار في بنية المجتمع والجراح النفسية والاجتماعية، التي سيتواصل قيحها لعشرات السنين.

وتبلغ الكارثة ذروتها في العراق لأن عمر الخراب المتواصل يمتد لأكثر من 11 عاما، بل أكثر من 23 عاما إذا أضفنا سنوات الحصار الشــاقة، والتي مسخت أكثر من جيل كامل.

فبعد أن كان العراق في صدارة دول العالم في مستوى التعليم، لا يمكن اليوم لنحو 90 بالمئة ممن تقل أعمارهم عن 40 عاما أن يقولوا بأنهم تعلموا وفق برامج رصينة. فكيف لهؤلاء أن يتبوأوا المناصب في مؤسسات الدولة لتتمكن من العودة الى كيان متماسك، وأن يصبح بعضهم معلمين للأجيال المقبلة؟

الحالة السورية تنافس الوضع العراقي، ولن تكفي أرقام المؤسسات الدولية لإعطاء صورة عن حجم الدمار في البنية العميقة للمجتمع، رغم أنها تشير الى أنها شردت أكثر من نصف السكان داخليا وخارجيا، وأدت الى انهيار الاقتصاد ووقوع نصف السكان تحت خط الفقر المدقع.

بيانات المؤسسات الدولية تنظر الى مشهد الخراب الواسع من خرم الإبرة.

11