الثمن الفادح للخلاص

الخميس 2013/09/05

لم يخامرني أدنى شك، ومنذ اللحظة الأولى لهذه المعركة التي يخوضها الطاغية السوري ضد شعبه، أنها معركة سوف تحسم ضده ولصالح الشعب السوري، مهما كان الثمن باهظا، ومهما حاول النظام إطالة أمدها. فالخاتمة ستكون نهاية عهده وتقويض نظامه الإجرامي. ولم تكن تنقص هذا النظام الوسائل لإطالة أمد المعركة، فقد صب على نارها من زيت المذهبية والطائفية، ما زادها أوارا واستعارا، واستنفر كل الدم المتخثر الفاسد في أوردة وشرايين الحزب الفاشي لدعم آلته الحربية، واستغل تاريخ القمع لدولة تعمّدت بطقوس الإرهاب، حتى صارت أقرب إلى أقرانها البائدة من دول نازية وفاشية وعنصرية، انتهت هي الأخرى بعد أن تركت بصمة عار في جبين الإنسانية.

لقد بدأت ثورة الشعب السوري ثورة سلمية شعبية، متأثرة بما حصل من ثورات الربيع العربي التي نجحت في تونس ثم مصر، إلا أن آلة القمع والإجرام التي يملكها النظام السوري، أحالت الثورة السلمية إلى ثورة مسلحة، وانحازت أعداد من أفراد الجيش السوري إلى الشعب، وتحول أفراد مدنيون إلى امتشاق السلاح والتدريب عليه.

وكان لابد لمعركة يطول أمدها وتستعر نيرانها بهذه القوة، أن تستقطب قوى أخرى تستثمر الحروب لتعزيز وجودها، وإثبات حضورها على الساحة العربية والإسلامية والدولية، وبالذات قوى التطرف اليميني الإسلامي، التي تنتمي بعض شراذمها إلى تنظيم القاعدة، لتزيد الأمر تعقيدا، ولكي تعطي للنظام الحاكم في سوريا ذريعة أنه يحارب القاعدة، تزييفا وتمويها للحقيقة، وهي أنه يحارب شعبا يريد استعادة كرامته المخطوفة على يد عصابات النظام، وحريته المجهضة على أيدي دولة القمع البوليسي.

لكن تشويه واقع الثورة، أمور لابد أن يستغلها النظام الإجرامي لإطالة عمره، وإنزال الآلام بالشعب السوري، الذي وصل عدد قتلاه إلى أكثر من مئة ألف قتيل، لا لشيء إلا لأن حاكما مجرما يريد أن يستمر في الجلوس على عرش من الجماجم لأبناء شعبه.

الإيجابي في كل هذه التداعيات الناتجة عن لعبة النظام في إطالة أمد المعركة، أن الأجسام التي قادت الحراك الثوري، ظلت باستمرار هياكل وأجسام نقية من التطرف، واختار أهل الثورة لقيادتهم عناصر معروفة بتوجهاتها الديمقراطية المدنية، البعيدة عن العنصرية والتحيز والغلو الديني، بدءا بالمفكر المعروف برهان غليون، إلى ميشيل كيلو، الى أحمد العاصي الجربا من رؤساء الائتلاف الذي يقود المعركة وقادة أكبر فصائله وقواه المقاتلة، مما يوحي بأن خلط الأوراق، ودخول عناصر التطرف في الاحتراب السوري، لن تفلح في حرمان هذه الثورة من توجهاتها المدنية التحررية السليمة، ولن تجعل من سوريا بعد دحر النظام الأسدي الإجرامي، قاعدة أخرى من قواعد التطرف الإسلامي. مع شرط أن يسعى المجتمع الدولي لإعانة الشعب في تحقيق آماله، ومد يد المساعدة له للخروج من محنته، ودمار اقتصاده وتهديم مدنه، وإعادة تأهيل مئات الألاف من الجرحي وضحايا إجرام الدولة البوليسية الدموية.

لقد أقام الطاغية السوري حكمه منذ استلم السلطة على باطل وزيف، وتم العبث بالدستور، واستغلال الآلة الحزبية الطائفية، وأجهزة المخابرات القمعية، لجلبه بالعسف إلى الحكم، واحتلال المقعد الشاغر بعد موت والده، وأذكر أنني في ذلك اليوم، تلقيت اتصالا في بيتي بطرابلس، من هيئة الإذاعة البريطانية التي تبث من لندن، تسألني عن رأيي في هذا التنصيب، فقلت وأنا أتحدث على الهواء مباشرة، أن هذا اليوم هو يوم أسود في تاريخ الوطن العربي، لأنه يسنّ سنة جديدة في تاريخ القمع والإجرام السياسي، ويؤسس لظاهرة استبدادية، هي التوريث في جمهوريات الرعب العربية، ويستعير قاعدة مات الملك عاش الملك، ليعيرها إلى هذه الأنظمة التي تدعي الشعبوية والجماهيرية والاشتراكية، وتضع بدلا منها مات الأسد عاش الأسد، وهو ما سوف يفتح طريق الآلام أمام الشعوب العربية وهي تتحمل أوزار رؤساء سوف يسعون لتوريث أولادهم حكم هذه الشعوب.

ورغم هذه البداية الإجرامية لعهد الأسد الأصغر، فإن بعض أبناء الشعب السوري تفاءلوا خيرا، فلعل الابن الطبيب، الذي عاش في الغرب بضعة أعوام، ولم يكن نبتا شيطانيا نمى وكبر في أرض العسكرية الانقلابية مثل أبيه، يختلف عنه قليلا ويثبت أنه من طينة أخرى غير طينة الأب، ولعل رؤيته للحياة قد تأثرت بطبيعة المهنة الإنسانية التي ينتمي إليها وهي مهنة الطب. إلا أن التفاؤل سرعان ما انقشع، لأن الرجل أثبت أنه أكثر استبدادا من أبيه، وأن ثياب الطبيب ليست إلا ثيابا زائفة لرجل تربّى في حضن العسكرية الدموية الانقلابية الطائفية، وشرب حليب العنصرية حتى الثمالة، وفي جيناته تسبح كل فيروسات الاستبداد.

ولم يكن ممكنا تغيير الحكم بالوسائل الانقلابية القديمة، ولا بالوسائل الديمقراطية العصرية، فقد أقفل والده كل الأبواب، وزاد الابن أقفالا أخرى من القمع ودولة المخابرات والبوليس والسجون وغرف التعذيب. ولم يكن ممكنا أمام الشعب وهو يطمح للخروج من أسر هذا النظام، إلا أن يخوض ملحمة نضالية، تظهر فيها صور هذا الاستبسال والصمود، مقابل أبشع صور الإجرام والسقوط الأخلاقي التي استعملها النظام، ووصل بها إلى أوج خسته، في ضرب غوطة دمشق بالسلاح الكيماوي، وهذه الصفوف من القتلى التي وصل عددها إلى 1429 شهيدا. ما أفدحه من ثمن لجلب الخلاص والعدل وانتهاء نظام بلغ أعلى المراتب في التوحش والخسة والنذالة والإجرام.


كاتب ليبي

9