"الثمن" فكرة إنسانية براقة ظلمها التنفيذ والأداء

كثير من الفلاسفة على مر التاريخ أجمعوا على أن الصراعات أصل الحياة البشرية، وأنها تمثل المحور الحقيقي الوحيد للعلاقات الإنسانية داخل المجتمعات سواء البدائية أو المتحضرة. هذا المعنى يبرز بوضوح في أحداث فيلم “الثمن” المأخوذ عن رواية “ديما” للكاتبة أمل عفيفي، والتي رصدت فيها تحول معنى الإنسانية في الوقت الحاضر، ووقوعها في قبضة أصحاب النفوذ.
الجمعة 2016/04/22
بلا لون ولا طعم

فيلم “الثمن” للمخرج هشام عيسوي الذي عرض مؤخرا في عدد من دور العرض المصرية، يتحدث عن الصراع النفسي لدى أبطاله، بداية من سائق التاكسي مجدي الذي يجسده عمرو يوسف، والمحامي صفوت (صلاح عبدالله) الذي يسعى إلى إقناع مجدي بقتل الكاتب جلال محمود بدعوى أنه ملحد، مستغلا في ذلك حاجته إلى المال لعلاج زوجته المريضة، وفي الوقت ذاته يفرض صفوت سطوته على زوجته ديما (قامت بدورها الفنانة الأردنية صبا مبارك)، اللاجئة السورية التي لم تر في حياتها سبيلا سوى الرضاء بعيشها معه.

خط الأحداث الأساسي في العمل يدور حول شخصية مجدي الذي نعيش معه صراعه النفسي بين تنفيذ رغبة المحامي لإنقاذ زوجته، وبين مدى تصديقه للشخصية التي يكلف بقتلها، حيث يقترب من الكاتب جلال محمود فيجده صاحب عقل ورشد، وأن ما تحويه كتبه من أفكار لا تقترب من الإلحاد، لكنه في النهاية يرضخ لقتله في محاولة لإنقاذ زوجته.

بالرغم من المعنى الإنساني الذي تريد كاتبة الفيلم أمل عفيفي -الذي هو في الأصل رواية بعنوان “ديما”- الوصول إليه من وراء العمل، وما يقف وراءه من سيطرة المال، إلاّ أن الصراعات التي حاولت أن تصيغ من خلالها أحداث الفيلم جاءت ناقصة في مجملها.

على سبيل المثال شخصية ديما التي جسدتها الأردنية صبا مبارك اكتفت فيها بكونها لاجئة تعيش في كنف الزوج صاحب النفوذ دون أن تربطهما معا، أي علاقة إنسانية يفترض أن تكون بين الزوجين سوى علاقتهما الحميمية، ما يجعلها تقع في حب جارها.

في هذه الجزئية أطاحت الكاتبة بالمعنى الإنساني، فلم نر تتابعا لقصة السورية التي فرت من الظروف السيئة التي تعيشها بلادها، قبل أن تنتهي في هذا الوضع الإنساني غير المقبول.

ولم يذكر الفيلم مثلا -ولو ضمن جمل حوارية- معاناتها في إيجاد عمل أو مسكن ملائمين، أو رغبتها في الهروب من ذئاب الطرق المنتشرين لصيد كل من تسقطها الظروف في شباكهم، وإنما قفزت على الفور لكونها زوجة لرجل ثري ومهم، تقع في حب جارها تعويضا عن إهمال زوجها لها، ما أفقد الفيلم منطقة إنسانية شديدة الثراء.

أداء صبا مبارك في الفيلم ساعد على إضاعة الجزء الإنساني بعدما جاء باهتا وجامدا وخاليا من المشاعر

أداء صبا مبارك كذلك ساعد على إضاعة الجزء الإنساني بعدما جاء باهتا وجامدا وخاليا من المشاعر التي كانت لا بد أن تصل إلى المشاهد باعتبار أننا نتحدث عن قصة إنسانية، وهو نفس العيب الذي شاب أداء الفنان عمرو يوسف الذي لعب دور السائق القاتل، حيث جاء آداؤه باهتا أيضا، رغم أنه نجح من قبل عند تجسيد دور الإرهابي في مسلسل “عد تنازلي”.

نجح حينها يوسف في إحداث حالة من التفاعل والانسجام بينه وبين الجمهور رغم عدائه لهذه الشخصية، خصوصا وأنها تزامنت مع فترات حدوث الكثير من الأعمال الإرهابية في ذلك الوقت، لكنه هنا رغم صراعه بين ضميره ورغبته في إنقاذ زوجته التي تنتهي حياتها داخل المستشفى، اكتفى بالاعتماد على قصة البطل المؤثرة الذي تنتهي حياته هو الآخر بالوفاة.

إذا كانت الإنسانية المغزى الرئيسي من أحداث الفيلم الذي يشير من عنوانه “الثمن” إلى المقابل الذي يدفعه الفرد مقابل حاجته للمال، إلاّ أن الجمع بين الحدث الديني والسياسي لم يكن مترابطا بالدرجة التي تجعل أحداث الفيلم متناسقة، فالكاتبة أرادت الجمع بين أكثر من قضية شائكة.

وربما كان ذلك مرتبطا بالظروف السياسية للبلاد وقت تجهيز الفيلم قبل عامين، لكن مع الأسف حالة الالتقاء التي أرادت الكاتبة تقديمها بالأحداث لم تكن مقنعة، خصوصا أنها اختارت نموذجين كان كل منهما يتحمل أن يفرد له عمل بمفرده ليتناول القضايا التي تهمه، سواء شخصية اللاجئة السورية التي لا بد أن رحلتها إلى القاهرة كانت محملة بالكثير من المخاطر والمغامرات، أو السائق مشوش الأفكار والمتصارع مع ضميره.

الأحداث الباهتة للفيلم الذي عرض للمرة الأولى ضمن برنامج “آفاق السينما العربية” في الدورة الأخيرة لمهرجان القاهرة السينمائي، تستكمل بافتقاده لأي عناصر سينمائية مبهرة على جميع المستويات، فإخراج هشام عيسوي لا يحمل إبداعا أو فلسفة خاصة به.

وهو ما انطبق أيضا على باقي مقومات الفيلم، فالموسيقى التصويرية لم يكن لها دور بارز، مع أنها المحور الرئيسي في الأعمال الدرامية التي تحمل مغزى إنسانيا.

علاوة على أن عنصر الإضاءة جاء معتما في الكثير من أحداث الفيلم، فحتى إذا كان المغزى من ذلك إضفاء حالة من القتامة على العمل، فإن ذلك كان لا بد من أن يكون في حدود معقولة حتى لا يؤثر على رؤية المشاهد له.

الجمع بين عمرو يوسف وصبا مبارك في الفيلم لم يكن موفقا، حيث اختفى التفاعل في الأداء بينهما على عكس ما شاهدناه من قبل في لقاء عمرو مع كندة علوش، واستكمالا للمغزى الإنساني الذي يريد العمل إلقاء الضوء عليه تجدر الإشارة إلى أن الحوار المستخدم في الفيلم يخلو من أي عبارات مؤثرة وقوية تمكننا من التعاطف والتفاعل مع أبطاله.

ربما كان لفيلم “الثمن” نصيب أوفر من الإشادة، إذا كان هناك توفيق في التناول، ووجود مخرج يقود العمل بصورة أكثر حيوية وتفاعلا، بصورة تناسب على الأقل حجم الدراما في الرواية الأصلية، بل إننا كثيرا ما نشاهد قصصا لا تستحق المتابعة، لكن المخرج ينجح في جعلها على القمة نتيجة التحامه معها وإيمانه بالشخصيات التي يقودها.

16