الثناء على الضعف

الأربعاء 2015/02/25

هي ليست عبارتي وإنما هو عنوان أحد دواوين الشاعر المصري الجميل حلمي سالم.. الذي غادرنا مبكرا.. تاركا مجدا أدبيا وإرثا رائعا من عشرات الكتب الشعرية والنقدية والفكرية ومئات المقالات الصحفية..

هذا كله مهم جدا.. لكنه ليس ما نحن بصدده الآن.. فما أردت الحديث عنه هو فكرة “الثناء على الضعف”.. التي تتأكد في العنوان الدامغ وقبل الشروع في قراءة قصائد الديوان.. وهو ما نغفل كثيرا عنه وعن تذكره:.. إنه الضعف الإنساني الذي أطلقَ له العنان الراحل الجميل حلمي سالم ورفعه إلى مرتبة الثناء والاحتفاء..

الضعف.. هو ما يهمني الآن.. وهو ما أردتُ أن أسلط عليه الضوء.. الضعف الذي لولاه لما كانت القوة.. فنحن ننتمي لإرث يحرص على جلد الضعف فينا وعلى كتمانه وإخفائه.. وعلى نبذ الضعيف بيننا والبراءة منه.. فنحن من ثقافة تعتبر المرض عيبا والإعاقة عيبا.. وقد تعلمنا أفرادا وشعوبا أن نتبجّح بالقوة أيا ما كانت جوفاء أو زائفة.. في وقت نحن الأحوج فيه إلى مواجهة ضعفنا وتفهّمه والأخذ بيده مثل طفل حرمناه الحنان.. فلا أسوء من كتم الضعف.. بينما نحن غارقون حتى هاماتنا بالعاهات الفكرية والأمراض النفسية والعيوب الخلقية للمفاهيم..

يذكرني الحديث عن الضعف بموقف مر بي ذات يوم.. حين وجدت نفسي فجأة على أعتاب انهيار عصبي.. ولم يكن ثمة سبب مباشر يدعو لكل ذلك.. كان الكل حولي متفاجئا متسائلا عما يعتريني.. أنا المعروفة بقوتي وإصراري على تخطي العقبات والملمات بابتسامة ساخرة مشفوعة بقوة الأمل والتشبث بالحياة والعطاء.. ولم يخلُ الأمر أيضا من عبارات هامسة تضمر اتهامات مبطنة تشي بأنني أخفي مصيبة كبيرة لا تقال ولا يمكن البوح بها!.. رغم أن ذلك كان أبعد ما يكون عن الحقيقة.. أما حقيقة الأمر التي تأكدتُ منها وآمنت بها فقد كانت كلمة “تراكمات”.. تلك التي نسمعها وقد لا نعي حقيقتها إلا حينما تنفجر بوجهنا المصائب والمشكلات مرة واحدة.. لقد وصفت حالتي يومئذ لأحد الأصدقاء وأنا أبكي بحرقة.. قلت له إنني كنت أجمع كل الهموم والأوجاع في غرفة خاصة داخل روحي.. اُخفيها عن كل من حولي.. فلا أبوح كي لا أبدو ضعيفة هشة.. كنت أراكم آلامي وطعنات أحبتي وخيباتي.. وأقفل الباب وأحتفظ بالمفاتيح.. ولم أكن أملك من الوقت والاهتمام لأتفرغ فأعيد ترتيبها وفتح شبابيكها للعالم.. حتى فاضت بما فيها وهجمت قوارضها عليّ وبدأ سوسها و”أرَضَتـُها” ينخر باقي غرف الروح مرة واحدة.. فاحتجت لوقت أطول وقوة أكبر وصبر أجمل لأبوح بها وأتخلص مما تناسل فيها.. لتعود لي الشمس والعافية..

لكننا في أحيان كثيرة لا نستطيع مواجهة هذا السيل من الألم مرة واحدة .. فهو قد يستحيل إلى قنبلة موقوتة تنفجر فينا وتنهي حياتنا برمشة عين..

فلم لا نحاول أن نحترم ضعفنا الإنساني؟.. أن نعترف به ونواجهه ونبوح به ونتخلص من تبعاته.. وألا ندعه يكبر فينا فيحطم حتى قدرتنا على الاحتمال؟.. لماذا لا نطلق سراحه لنكون أقوى وأكمل؟ ألن يكون ذلك أجدى من التستر عليه حتى يكبر ويتفاقم ويغدو أكبر منا؟

صباحكم قوة وثناء على الضعف..

21