الثورات الرقمية تغير طريقة فهم العالم

السبت 2016/04/23
هذه مكتبة بحالها

تعيش التحولات الرقمية اليوم ثورتها الرابعة، ويعيش الإنسان من خلالها تغييرا جذريا في مختلف مجالات الحياة، سيكون له وقعه على بنيته النفسية والمعرفية والبيولوجية، وفي علاقته مع الفضاء والزمن والمعلومات. ولكي نفهم سر التحولات القادمة وما هي جذورها التاريخية وتطوراتها المقبلة، لا بد من عرض التحولات الثلاثة التي سبقتها، قبل تحليل ملامح التحول الرقمي الحالي والفرق بين ثقافة الكتابة وثقافة الشاشة.

ومن السمات المميزة للمرحلة الأولى أنها بدأت مع صناعة أدوات الإنتاج والتحكم في النار لجلب الطاقة والضوء، فيما ظهرت الثانية مع مدونات التقنيات الحرفية والزراعية والحيوانية والمناخية، أما الثالثة فتمت بابتكار المحرك البخاري، مما ساعد على ظهور صناعة تحويلية سهلت وسائل تنقل الناس. وبدأت خلال تلك المرحلة ملامح عولمة المبادلات والثقافة تتبلور عبر انتشار المذياع والتلفزيون والهاتف، مما سهل عملية الإدماج الرأسمالي في بنية الاقتصاد العالمي عبر اتساع الروابط والتدفقات، واختراق السيطرة الجغرافية للدولة.

والأهم من ذلك أن المنطق الشبكي يستهدف تعزيز الروابط البينية وتبادل الخبرات والمعلومات من جهات متنوعة. وتجدر الإشارة إلى أن الأخيرة تضرب جذورها في العلوم الفيزيائية والتكنولوجيا المجهرية وعلوم الإعلام، فالتواصل عن بعد والتلغراف والهاتف والأقمار الصناعية والمعالجة الآلية للمعلومات بفضل الكومبيوتر ساهمت في ابتكار جديد جمع كل هذه الوسائط في بنية معالجة رقمية، يطلق عليه العالم الرقمي أو الثورة الرقمية.

وفي هذا الصدد، إذا كانت ثقافة الكتاب قادرة على استخراج الفرد من حياته اليومية بحيث يتقمص شخصيات ويعيش في عوالم شتى من البطولة والإثارة، يبقى تعلم الكتابة أمرا صعبا للغاية ويتطلب جهودا متواصلة، لكن الإنسان ابتكر الكتاب وطوره تدريجيا كوسيلة لاستيعاب العالم بطريقة ذاتية موضوعية، وكذلك للرفع من مقدرته الذهنية ونقل المعارف بين السلف والخلف، ثم كانت الحاجة أم الاختراع، فابتكر تكنولوجيا رقمية عملت على مضاعفة وتطوير قدرات أخرى، كانت ثقافة الكتاب قد تركتها على قارعة الطريق، إذ بات من السهولة إدراك أن هذه التكنولوجيا تحفز سيرورة ذهنية واستراتيجيات تعلم تركتها ثقافة الكتاب في إرهاصاتها الجنينية، بحيث عندما نتكلم عن ثقافة الكتاب وثقافة الشاشة، فالأمر يتعلق بنموذجين مختلفين، خاصة، وبالرجوع إلى ما قبل ابتكار الكتاب الورقي، نجد أن الثقافة الشفوية جمعت بين عدة عناصر عملت على تقنينها في أنساق، بحيث كان الإنسان قادرا على قراءة النقوش على جدران المعابد ومن ثمَة، رواية عدة قصص باختلاف الروايات الشفهية طبعا، لكن كان يتم الحفاظ على البعض من المقاطع دون تغيير كبير. ولعب الحفظ والتكرار في ما بعد دورا كبيرا أدى إلى ظهور قصص منسجمة بالتدريج، وجدت شكلها النهائي في الكتب الأولى.

ولكن نموذج ثقافة الكتاب لم يصبح مهيمنا إلا بعد اكتشاف المطبعة، فيما مكنته الهيمنة السريعة والقوية من تبنيه لاحقا في السينما التي أصبحت آلة تحكي قصصا صامتة، قبل أن تصبح الصور والمشاهد ناطقة. هذا قبل أن تقدم التكنولوجيا شاشات كاثودية مفلطحة، وشاشات عرض مسطحة وصولا إلى شاشات تعرض بزاوية 180 درجة تعيد محاكاة البيئة الحركية، بالمقابل إذا تعاطى أغلب الكتاب البناء السردي فإن الكتاب الرقمي خلّص ناشريه من تبعات التخزين والنقل والتوزيع، وهو مزود بالصوت والصورة، لذلك حلت الثقافة الرقمية بالتدريج لكي تخلص الشاشة من نموذج الكتاب، وتدفع في اتجاهات ومعالم أخرى، مما أصبح معه اليوم من الضروري أن نفرق بين ثقافة الكتاب وثقافة الشاشة حول المستويات التالية؛ الثقافية والنفسية.

وتعد ثقافة الكتاب ثقافة توحيدية، فكل منا يجد نفسه وحيدا أمام دفتي كتاب مؤلف، حيث تهيمن على هذه الثقافة علاقة عمودية للمعرفة، لا تسمح للقارئ بالدخول إلا إذا تجرد من بيئته المحيطة. وعبر الكتاب يستطيع القارئ أن يقترب من عالم المؤلف وثقافة النخب العالِمة، أما ثقافة الشاشة فهي ثقافة تعددية، حيث كل منا أمام شاشات مختلفة تحمل مضامين تمت صناعتها من طرف مجموعات متعددة، والكل يحلم بها في علاقة تناغم مع جميع من ينظرون إلى نفس البرنامج وفي نفس اللحظة، بحيث تهيمن على هذه الثقافة علاقة أفقية للمعرفة، وهي تجد نموذجها الأوفى في موسوعة الويكيبيديا، فهي ثقافة التعدد والاختلاط والتعددية الثقافية.

وعلى ضوء ما تقدم، نستنتج بأن ثقافة الكتاب تحفز وتشجع أولا، على ذاكرة الحدث السكونية والتعاقبية، بينما تشجع ثقافة الشاشة على ذاكرة العمل التي تتمثل في الحفاظ ومعالجة المعلومات والإرشادات. كما تشجع ثقافة الكتاب على التفكير والمنطق السببي والخطي، بينما تشجع الثقافة الرقمية على التفكير الشبكي والدائري.

باحث بجامعة السوربون

6