الثورات العربية: زوبعة في فنجان الدراما العربية

الخميس 2014/03/27
مسلسل "الداعية" نموذج للأدلجة الدرامية

الجزائر- تمر السنوات ويبقى التاريخ متشحا بأصباغ الحياة وتبقى الحياة تميل الطرف إلى التاريخ وترقص على إيقاعه المتغير الثابت.. ثورات الربيع أو الخريف العربي أصبحت سمتا اجتماعيا بحتا، تعدت أحجيات السياسة ومراهنات المحللين وباتت فنا اجتماعيا إن صح القول نراه ونقرأ عنه ونعيشه في بعض البلاد التي لا تزال تعاني من ردّاتها الاهتزازية..

في تونس ومصر وسوريا الجريحة اختلط حابل الثورات بنابل الثقافة الاجتماعية، وهي تلك التي تتداخل علائقيا باجتماعيات الناس ولا تميل إلى الترف الفني، فلا يخلو عمل فني أو أدبي من صوت الثورات، حتى أن الأعمال التلفزيونية المعروضة حاليا على كل القنوات العربية تجعلنا نعيش لحظات الولادة العسيرة تلك مرة أخرى..

هنا ندخل إلى مخاض جديد في منعرجات الثقافة العربية كلها.. الأمر لم يعد مقتصرا على تلك التي أمطرت سماؤها ذلك الربيع فقط؛ بل تعداها إلى كل الأقطار العربية.. إنها مرحلة “سوسيولوجية الفن” أو علم اجتماع الثقافة.

حين نتابع الإنتاجات الفنية سينمائية كانت أو مسرحية أو أدبية أو تلفزيونية نرى مدى التحقق الذي أدلج العمــل الفني.

ولكن السؤال الذي يجب طرحه هو: هل هذا التحقق مبني على حقائق حدثت أم كان حدوثها واجبا؟؟ الفن بطبيعته يخضع للأدلجة وإن أنكر المنكرون، فنظريات موت المؤلف وجماليات التلقي والأسلبة الحديثة جدا تطرح معـــايير الأدلجـــة بطريقة أو بأخرى.

كتاب الأعمال التلفزيونية مثلا والذين حرصوا من خلالها على إبراز جوانب من تلك الثورات تعمّدوا طرح وجهات نظر معينة تخص ما أرادوا تسويقه للعامة من خلال تلك الأعمال.

هناك من اتخذ الدين ذريعة، وهناك من علّق الحاصل على شماعة الشعب أو السياسيين أو.. أو غير ذلك ممن يمكن أن تراه بالتدقيق البسيط في الأعمال، وبهذا تحدث عملية أسلجة الثقافة، أي جعلها تحت رحمة السيوسيولوجيات الطارئة والمتغيرة بين الحين والآخر.

إننا لا نرى في هذه الأعمال طرحا آخر.. حلا أو مخرجا أو توجها ثقافيا فكريا لما حصل، وإنما نلمح تعدد الجوانب الاجتماعية المتأثرة فقط.

الفكر الثقافي هنا معطل، منحاز لمجموعة أيديولوجيات كانت في عمق الاجتماعيات العربية، وبتفجّر الثورات برزت إلى السّطح في شكل طاغ يحملنا على القبول بها والتسليم لها.

فماذا بعد هذا المخاض؟؟ ماذا بعد الخطابات والأنماط السوسيو سياسية التي باتت تحاصر العمل وتحجّره؟؟

كانت بدايات الخروج من نفق الاستبداد السياسي الذي مس كلا من تونس ومصر وليبيا، تستدعي حضورا فنيا يتموقع تحت جلبابها يضع أصابعه على كل خفاياها، ويحدّث العالم أجمع وليس العربي فقط عن منعرجات ذلك النفق المظلم الطويل، لكن وبعد مرور قرابة الأربعة أعوام صارت الأعمال الثقافية والفنية مطالبة بتحديات جديدة.

تحديات من شأنها الاستثمار الفعال فيما حدث من أجل تدارك ألا يحدث أو يستمر في الحدوث كما هو جار في سوريا.

تابعنا العديد من الأعمال الشعرية والمسرحية التي باتت في معظمها تتعلق بفلول الثورات، وتقيس مدى نجاحاتها بشدة تأبطها لتفاصيل التفجر والحراك الشعبي، ولعل الأعمال التلفزيونية والسينمائية هي الأقرب للتأثير في عامة الناس وطرح مضامين وخطابات تغير الوجهة نحو التالي.. نحو التغير البناء.

وهذا لا يعني تناسي ما حصل، لكن الفكر يصدأ بتقوقعه على نفسه وطرح إفرازات الاعتصار والانتظار فالاحتضار. في مسلسل “الداعية” مثلا والذي أثار هرجا ومرجا نقديا حوله، نجد الثورة المصرية انتقلت من ميدان التحرير إلى قلب داعية مراهق.

وتمت أدلجة الثورة باعتبارها ضد تيار إسلاموي متعنّت يرى في الموسيقى والحب والشعر وكل الجماليات الروحانية رجسا من عمل الشيطان. لست أدري كيف تمّ توظيف الإسلام بهذه الطريقة التي تصفعه في الصميم.

ما يحصل باسم الدين لا يمتّ له بصلة، لكن أن تظل هذه هي السمات الفكرية والسوسيوثقافية للإسلام فهنا تقع المشكلة.. هنا تكون الثقافة تحت رحمة الأدلجات الاجتماعية لا موجها لها نحو آفاق أكثر انفتاحا وتوازنا ودقة.

فماذا لو أنه تمّ وضع ملامح مبتغاة في الداعية الحقيقي وتسويقها للناس، بأن هذا هو الوجه الإسلامي السمح النبيل الذي يجعل الحب من أقدس المشاعر وأرقاها، والذي كان سببا خلال أزمنة الفتوحات في تخلي الآخر عن معتقده والانبهار بالمعتقدات الإسلاميــة لما تحويه من تسامح وحوار ونبل.

إن المعايير الثقافية التي تحرك الأمم نحو التمدّن والريادة هي تلك المبنية على أسس متطلعة تبحث في الكائن عما سيكون وتستولد من الثورة فكر التجديد الباحث عن الحقيقة دون مزايدات.

16