الثورات تقتل روادها الأوائل: رؤية استشراقية لنشوء داعش

الأحد 2014/12/28
رسم يسخر من طريقة الغرب في التعامل مع داعش عسكريا

دمشق - هي رؤية استشراقيّة بحتة تلك التي يقدمها باتريك كوكبيرن للصراع في المنطقة، ففي كتابه الجديد يحلّل مراسل صحيفة الإنديبندنت البريطانيّة التغيرات التي تشهدها المنطقة وبالأخص تنامي التيارات الجهاديّة ويربط هذه الظاهرة مع التغيرات في المنطقة العربية منذ أحداث 11 سبتمبر 2001 وصولاً إلى ما يسمى بالربيع العربي، الكتاب صادر عن دار الساقي بعنوان “داعش: عودة الجهاديين”-2014- ترجمة ميشلين حبيب.


قراءة للمتغيرات


“لقد تفككّ العراق” هذه العبارة تفتتح الكتاب بعد مقدمة الطبعة العربية، ويلخص فيها كوكبيرن التغيرات السياسية والعسكرية التي شهدها العراق منذ الغزو الأميركي، ثم يناقش الامتداد الذي وصلت إليه داعش والصدمة التي شكلتها سقوط مدينة الموصل في أيدي الجهاديين والمعارك التي تخوضها مع قوات البيشمركة الكرديّة، وانهيار الجيش العراقي الذي فشل في التصدي لهجمات داعش بالرغم من عتاده وعدده لتعلو خلال الكتاب بمجمله نبرة طائفية واضحة، فكوكبيرن يقسّم المنطقة إلى تجمّعات طائفية ويرى أن ما يحدث في المنطقة هو صراع سني/شيعي، وأن المارد السني يستيقظ ليستعيد نفوذه للوقوف في وجه السيطرة الشيعية التي تحاول الانتشار في المنطقة، فهذا المارد السني يعود برأيه لسببين المظلوميّة التي يتعرض لها السنة في العراق ودور نوري المالكي في إقصائهم، و”التمرد السني في سوريا” على حد تعبيره.

فالحدود بين سوريا والعراق قد اختفت وأصبح بإمكان داعش التنقل بحريّة بين الدولتين كأنهما غير موجودتين، ويعود ليناقش الحالة في العراق ويوجّه اللّوم بصورة دقيقة للفساد الذي ينخر مؤسسة الجيش في العراق الذي أدّى إلى الاستسلام النهائي لمجاهدي داعش بالإضافة للدعم العربي والغربي الذي يناله.

الكتاب غني بالآراء والتحليلات التي تبدو منطقية، لكنها بعيدة عمن يعايش الحدث وعن المشاركين الفعليين في الحراك الثوري في سوريا

ويرى أن الربيع العربي لم يأت سوى بالجهاديين، وأن فشل المعارضة السورية وتفككها يعتبر سبباً أساسياً في ظهور هذه القوى الجهادية، وسيطرة داعش على أغلب الفصائل المقاتلة منها جبهة النصرة التي حاولت التمرد مما جعل المعركة تتحول إلى حرب أهليّة، ساحباً البساط من تحت الثورة السورية بوصفها حراكا شعبيا يسعى للحريّة، فالنبرة الطائفية في الكتاب تثير الحنق والغضب، وكأنما الشعب الذي ثار في سوريا للمطالبة بحريته ليس سوى فريسة للجهاديين، حتى أنه يستشهد بأن قيادات الجيش الحر مخترقة من قبل الاستخبارات العربية والغربيّة وبعيدة عن الفعل الثوري في الوقوف بوجه الديكتاتوريّة.


ثورة مضادة


الكتاب غني بالآراء والتحليلات التي تبدو منطقيّة، لكنها بعيدة عمّن يعايش الحدث وعن المشاركين الفعليين في الحراك الثوري في سوريا، مع ذلك نرى كوكبيرن يتحدث عن الناشطة والحقوقية رزان زيتونة واختطافها ويرى أن الثورة في سوريا كغيرها من الثورات فيقول: “تشتهر الثورات بالقضاء على مناصريها الأوائل الأكثر إنسانيّة”، كما نراه يفرد العديد من الصفحات للتحليلات والشهادات التي تؤيد وجهة نظره من تلقي الجهاديين لدعم خارجي، وعدم قدرة المعارضة في سوريا على التأسيس لكيان علماني متماسك، وتحوّل الثورة السوريّة إلى أداة لطمأنة الأغلبية السنية في المنطقة العربيّة، ما سيؤدي إلى فشل قيام دول ذات قوميات علمانية ومتماسكة تتجاوز المكونات الطائفية التي تشتهر بها المنطقة .

الحدود بين سوريا والعراق اختفت

(العنف يجذب الجمهور أكثر) هكذا يصف كوكبيرن النشاط الإعلامي الذي شهدته المنطقة سواء من تجاربه الشخصية أو من تجارب زملائه، ويرى أن هناك العديد من التهويلات والأكاذيب التي تنشر في وسائل الإعلام وتساهم في الشحن الطائفي، ويؤكد أن وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات النشر الحديثة قد كسرت دوامة الصمت التي كانت تغلف بها الحكومات مواطنيها باحتكارها لوسائل الإعلام حيث مكنّت هذه الأساليب كلا من الثوار والجهاديين وحتى المواطنين العادين من المساهمة في نقل ما يشاهدونه أو صناعة البروباغاندا الخاصة بهم، بالتالي كسر الاحتكارات الإعلاميّة التي كانت تمارسها الحكومات الديكتاتورية من العراق حتى تونس مروراً بسوريا و مصر.


لغة الرعب


هناك الكثير من الصحّة في التحليلات التي يقدّمها كوكبيرن بحكم خبرته في المنطقة، إلا أن التأصيل للطائفية وجعلها المحور الأساسي الذي يسيّر المنطقة فيه بعض من المغالاة، فاللوم الأكبر موجه للحكومات الغربية وأخرى عربية تدعم الأصوليين والجهاديين الذين يفرضون وجودهم بالرعب، فالأسلحة الأميركية تصل في النهاية ليد داعش، وكل التنظيمات المقاتلة في سوريا خضعت لداعش لا بإرادتها لكن بالقوة التي تمتلكها هذه التنظيمات، فداعش امتداد للقاعدة، ومقتل أسامة بن لادن لم يشكل لها هزةّ بل زاد من قوتها وقدرتها على فرض نفوذها على المنطقة بل وجعلها تمتد بين دولتين تعتبران الأكثر محوريّة في الشرق الأوسط.

ويحاول القارئ جاهداً عدم تصديق ما يقوله كوكبيرن عن التحاق العديد من سكان المناطق التي تخضع لداعش إلى صفوف المقاتلين، ومساعدتهم التنظيم الجهادي في التوسع والتمدد، فهذا الكيان دخيل على المنطقة، ونتيجة فشل السياسة في توحيد صفوف المعارضة السورية من جهة، والفساد المتأصل في حكومة نوري المالكي ومحاولته الحفاظ على نفوذه، كما لا يمكن إنكار الدور الذي تلعبه بعض التجمعات الأصولية والمتشددة في دعم داعش سواء مادياً أو إعلامياً فجزء من اللوم يقع عليها في تفتيت المنطقة وتحويل سوريا والعراق إلى ساحات للحرب الأهليّة، وارتباط ذلك بفشل أميركا في الحرب على الإرهاب وتقديمها إلى جانب الغرب الدعم لهذا التنظيم وهذا ما يؤكده كوكبيرن بأن أميركا لم تستطع الوقوف في وجه العدو الذي اختلقته، بل انجرّت إلى صراع جديد متمثل في ضربات التحالف على أراضي دولة الإسلام بالإضافة إلى دور الغرب المتمثل في حلف الأطلسي الذي ساهم في إسقاط معمّر القذافي.
13