الثورة الإيرانية قلبت الأوضاع الجيوسياسية في الشرق الأوسط

إستراتيجية الجمهورية الإسلامية منذ 40 عاما تهدف إلى زعزعة استقرار المنطقة، والأيديولوجيا الإسلامية تفشل في استقطاب أجيال ما بعد الثورة في إيران.
الاثنين 2019/02/11
هل تواجه إيران ثورة جديدة

يوافق الاثنين ذكرى مرور 40 عاما على انهيار نظام الشاه العلماني في إيران، والذي شهدته البلاد في 11 فبراير من عام 1979 وكانت الثورة الإسلامية بقيادة رجال الدين أطاحت بالشاه آنذاك، وأنهت الملكية وأعلنت الجمهورية الإسلامية، وبعد 40 سنة من الثورة أثبت النظام المتشدد من خلال انخراطه بشكل تخريبي وبراغماتي في قضايا المنطقة إصراره على زعزعة الاستقرار بهدف التوسع، فيما يبدو الداخل الإيراني خاصة الشباب أي أجيال ما بعد الثورة قد سئموا توجهات قيادته المحافظة، أمام تدهور أوضاعهم المعيشية وتراجع نمو الاقتصاد والقمع المتواصل للحريات.

طهران - قلب انتصار الثورة الإسلامية في إيران الأوضاع الجيوسياسية في الشرق الأوسط إلى الأسوأ، ولا تزال تأثيراتها ملموسة بعد 40 عاما.

وبالنسبة للمنطقة العربية، فإن الهزة كانت أقوى من الانتصار “غير الوارد وخارج التوقعات” لآية الله الخميني في فبراير 1979، خاصة وأن النظام الإيراني المتشدد تبنى منذ سيطرته على الحكم دورا تخريبيا قائما على الطائفية وتشكيل ميليشيات مسلحة تدعمه، للتوسع على حساب أمن ومصالح العالم العربي.

ويلحظ الباحث في الشؤون الإيرانية لدى المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية كليمان تيرم أن “المفاجأة كانت ضخمة في الشرق الأوسط والعالم بعد صعود الإسلاميين في إيران”، مشيرا إلى أن إيران في عهد الشاه كانت تعتبر “قطبا للاستقرار” في المنطقة، لكن تحولت بعد قيام الثورة الإسلامية إلى مزعزع للاستقرار.

وإبان الحرب الباردة، كانت إيران إحدى ركائز السياسة الأميركية في المنطقة ضد الاتحاد السوفييتي، لكن إحدى الوقائع المؤسسة للسياسة الخارجية للنظام الجديد كانت أخذ دبلوماسيين أميركيين رهائن في السفارة الأميركية بين نوفمبر 1979 ويناير 1981، وكان، وفق تيرم، مؤشرا إلى “ظهور عداء أميركي-إيراني”.وقطعت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وكان ذلك مؤشرا لإعادة تنظيم للأوضاع الجيوسياسية في المنطقة.

زعزعة الاستقرار

يقول رئيس تحرير صحيفة “جوان” الإيرانية المحافظة، عبدالله غانجي لوكالة فرانس برس “في بداية الثورة لم تكن لدينا أي نية في تصديرها عسكريا على طريقة النموذج السوفييتي”.

 لكن ما جرى هو أن النظام انتهز أزمات المنطقة لبسط نفوذه وكان العراق بداية لتشكل النفوذ الإيراني.

وكما يقول تيرم، وبمواجهة ما اعتبرته رغبة في زعزعة استقرارها، شعرت بعض الدول العربية بحالة من الخوف، وتلك أحد “الأسباب التي قادت إلى الحرب التي شنها العراق ضد إيران” في سبتمبر 1980. وخرج البلدان منهكين من النزاع عام 1988.

الإيرانيون الأصغر سنا، لديهم توقعات في ما يتعلق بمستقبل البلاد، تختلف عن آراء آبائهم الذين أحدثوا الثورة

وأشار غانجي إلى أنه بعد نهاية الحرب مع العراق، طورت إيران “إستراتيجية جديدة” تقوم على “منع الولايات المتحدة من أن يكون لها موطئ قدم في الشرق الأوسط”. وتابع أن هذه هي “إستراتيجية الجمهورية الإسلامية منذ 30 عاما”، و”هذا يشرح جزئيا السبب خلف الثمن الذي ندفعه اليوم”، مشيرا إلى العقوبات الأميركية والدولية.

أما الشارع الإيراني يبدو بعد مرور 40 عاما على صعود الإسلاميين أن صبره قد نفد جراء سياسات النظام الخارجية وجر البلاد نحو صراعات دول الجوار، كما سئم من الأوضاع الاقتصادية المتردية بسبب انتشار الفساد وسوء الإدارة.

نفاد صبر الشارع الإيراني

لخص الفنان الإيراني الساخر علي مير فتاح العقود الأربعة منذ الثورة، في جملة واحدة “لم يأت ثوريون إسلاميون من بين الملكيين، ولكن الكثير من الثوريين جلبوا ملكيين”.

وبالنسبة لرجال الدين المؤثرين في إيران فإنهم يروجون لحقيقة مغايرة لمغالطة الرأي العام المحلي والدولي بزعمهم أن الأمة تواصل الوقوف خلف النظام الإسلامي.

وتقول وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا) إن النظام الإسلامي “شجرة قوية” وقفت “سدا منيعا” في وجه المعارضة على مدار الأربعين عاما الماضية.

وقد تكون الشجرة لا تزال واقفة، ولكنها لم تنج بعد من عواصف سياسية ذات كثافة متزايدة، شملت توترات في السياسة الخارجية وصراعات على السلطة بين الإصلاحيين والمتشددين، بالإضافة إلى اقتصاد هش.

كما يواجه النظام الإسلامي في إيران تحديا يتعلق بالتحول في الأجيال، فقد ولد أكثر من 40 مليون شخص، وهو أكثر من نصف التعداد السكاني في إيران، بعد الثورة. وهؤلاء الإيرانيون الأصغر سنا، لديهم توقعات في ما يتعلق بمستقبل البلاد، تختلف عن آراء آبائهم وأجدادهم الذين أحدثوا الثورة الإسلامية.

أربعون عاما من الفشل
أربعون عاما من الفشل

ويختلف الكثير من الإيرانيين مع سياسة طهران في الشرق الأوسط؛ حيث يتساءل الناس عن وجوب إنفاق عائدات النفط الإيراني على ميليشيات توالي النظام في سوريا والعراق ولبنان. ويرى هؤلاء النقاد أن إيران في حاجة لهذه الأموال. وأحد الشعارات الرئيسية التي رددها محتجون أثناء احتجاجات الشوارع التي شهدتها البلاد العام الماضي، كان “لا غزة ولا لبنان.. أضحي بحياتي من أجل إيران”.

أما بالنسبة للنشطاء في هذه المسيرات الاحتجاجية، فإن الاحتكاكات الإيرانية مع الدول الأخرى والعقوبات التي تؤثر على اقتصاد البلاد بقوة، ما هي إلا عواقب سياسة طهران في الشرق الأوسط.

ويعتبر الإنترنت منصة رئيسية لتوجيه النقد، ويمثل مشكلة كبيرة أمام رجال الدين. فما كان من غير الممكن التعبير عنه علانية قبل بضع سنوات فقط، يظهر اليوم جليا على وسائل التواصل الاجتماعي.

وتقول صحافية إيرانية طلبت عدم الكشف عن هويتها، إن الإنترنت قد صار مفتوحا بشكل متزايد، ومزدحما بشكل متزايد ويخضع للرقابة”.

 ونتيجة لذلك، أصدر رجال الدين والمتشددون دعوة مثيرة للجدل تطالب بفرض المزيد من الرقابة على الشبكة. وقد لفت أحد أحفاد مهندس الثورة الإسلامية، آية الله روح الله الخميني، الذي توفي في عام 1989، إلى الوهن الذي أصاب النخبة الطاعنة في السن. ويقول حسن الخميني “ليس هناك في الواقع ما يضمن أننا سنبقى للأبد”.

بل تذهب فائزة هاشمي رفسنجاني، كريمة الرئيس الراحل أكبر هاشمي رفسنجاني، إلى أبعد من ذلك حيث تقول “لقد فشلت الأيديولوجيا الإسلامية كقاعدة سياسية”.

6