الثورة البيولوجية وتحديات تقنيات الأرحام الاصطناعية

السبت 2015/01/03
العالم الآن أمام رؤية علمية جدية قد تقلب جميع الموازين وبجميع المقاييس في الألفية الثالثة

الثورات التي تحدث في ميدان العلم لا تعدّ مجرّد اكتشافات تخرج من دهاليز المختبرات والمصانع، بل هي حقائق جديدة تحمل معها إعادة نظر للمفاهيم، وقلبا للتصورات وقولبةِ للحياة، شأن ما حدث مع الثورة البيولوجية المعاصرة التي أذنت بتشكل نظريات واحتمالات جديدة لم يكن يُعتقد بالأمس القريب أنها واردة الطّرح أصلا، مثل تقنيات الأرحام الاصطناعية.

هل يمكن الحصول على طفل دون حمل ولا وجع ودون ولادة؟ قد يبدو السؤال الأول مستفزا إلى أبعد حد، فما اعتدناه وألفناه، يجعل هذا السؤال نزقا وعديم الجدوى، تتوجّس من طرحه العقول ولا تطمئن له القلوب على نحو سيان. إلا إذا كان الأمر يتعلق بإطلاق العنان لإعداد سيناريو للأفلام العلمية الخيالية.

غير أنّ الأمر هنا ليس من باب الهذيان أو من وحي الهزل والخيال في شيء، فبعدما صرّح كبير الأطباء والفيلسوف هنري أتلان أحد كبار خبراء البيولوجيا الفيزيائية في العالم بأن ذلك وارد تماما وأن مكْننة الحمْـل ممكنة، ودّع السؤال دائرة الممكن ليدخل دائرة المحتمل.

في هذا السياق، يرى هنري أتلان أنّ وظيفتي الأمومة والأبوة كما عرفناهما طوال التاريخ، ستغيران من طبيعتهما لكنها لن تندثرا، ثم سيزداد الفصل بين الجنس والتناسل الذي بدأ منذ القرن العشرين.

كل هذا على الرغم مما يثار حول قضية “الرحم الاصطناعي”، الموضوع الذي تعثر في تقييمه العديد من الفلاسفة والعلماء وتفرقوا حوله في مذاهب شتى وطرائق قددا، ثم ما لبث أن ردّد كثير من رجال الدين أن دونه خرط القتاد.

هل يمكن تطوير أجنة خارج الأرحام؟

إجمالا، العالم الآن أمام رؤية علمية جديّة قد تقلب جميع الموازين وبجميع المقاييس في الألفية الثالثة، بالشّكل الذي يسمح بالقول إننا أمام ثورة تقنية جبارة سيكون لها العديد من التداعيات الاجتماعية والسياسية والرمزية، حيث أنه بعد حبوب منع الحمل والتخصيب الاصطناعي وأطفال الأنابيب والاستنساخ العلاجي، حلّت تباشير مرحلة النشوء خارج الرحم أو “الرحم الاصطناعي”، الذي اخترعه عالم الوراثيات جون هالدان عام 1923، أوّل من بشّر بتقنية تُمكّن من تطوير أجنة إنسانية خارج أرحام النساء مرورا بمرحلة التخصيب والحمل ثمّ الولادة.

يستطيع الأطباء اليوم تجريبيا أن يتحكموا في بداية الحمل حتى اليوم الخامس من ناحية، ومن ناحية أخرى التحكم في الطرف الأقصى من نهاية الحمل، أي انطلاقا من بلوغ الجنين 24 أسبوعا.

لذلك اتجهت الأبحاث التالية في طريق إعادة إنتاج سيرورتين مختلفتين تشكل وظائف الرحم طوال مدة الحمل:

*السيرورة الأولى: لقد أضحى من الممكن اليوم القول بأنّ الطب استطاع أن يتحكم في مرحلتين أساسيتين منها؛ إذ يستطيع الأطباء اليوم تجريبيا أن يتحكموا في بداية الحمل حتى اليوم الخامس من ناحية، ومن ناحية أخرى التحكم في الطرف الأقصى من نهاية الحمل، أي انطلاقا من بلوغ الجنين أربعة وعشرين أسبوعا.

*السيرورة الثانية: يمكن الاستدلال عليها انطلاقا من بلوغ الـ 24 أسبوعا من الحمل، أي المرحلة التي يمكن بعدها للأطفال الخُدَّج (الأطفال الذين يولدون قبل الأوان) أن يروا النّور خارج أرحام أمهاتهم، ودون هذه المدّة الزمنية فمصيرهم الموت المحقّق. إذ انطلاقا من حفظ هذا التوقيت يمكن الحفاظ على حياة هؤلاء حتى يكتمل نموّهم الطبيعي في مفاقس أو حاضنات طبية، تقوم مقام بطن الأم، فيما إذا تصورنا عملية تكون للجنين خارج رحم إمرأة، يجب سد الفجوة بين خمسة أيام أولى وأربعة وعشرين أسبوعا من الحمل الذي لا يمكن حاليا إجراؤهما مطلقا في غير بطن إمرأة، ومدّتها ستة شهور.

ماهي نماذج الأرحام الاصطناعية؟

من رحم الأنثى الطبيعي إلى تقنيات الرحم الاصطناعي هنالك العديد من النماذج والأنواع من بينها؛

*نموذج جِراب حيوان الـكنغـر: يمكن معاينة هذه الظاهرة في سياق آخر وأبرز من يجسدها هو نمو صغار الكنغـر، وهي فصيلة من الحيوانات الثديية التي يكتمل نمو الأجنة فيها خارجيا في كيس أو جراب بطني، أي أنها حيوانات غير مُشيَّمة. إذ يترك الجنين رحم الأم قبل اكتمال نموه ويزحف إلى الجراب حيث يلتحق بحلمة ثدي واحدة حتى يكتمل نموه.

لذلك، اقترح البعض استعمال نظام الجراب كنموذج لدراسة التطور الهرموني للأم، الذي يصاحب نمو المضغة (اكتمال أوصاف الجنين)، حيث ننظر إلى هذا الجراب كمحيط يُتابع فيه الجنين نموه خارج الرحم حتّى يبلغ متمه. إذ يترك جنين الكنغر الرّحِم بعد 35 يوما، بطول يقدّر بسنتمترين، لكي يجد نفسه في جراب وفمه موضوع بطريقة تلقائية ومستمرة في ثدي يُرضعه باستمرار، كما يتنفس في نفس الوقت دون أن يختنق! وما يثير العجب بكل تأكيد، أن المشيمة والسائل الأمينوي يتدخّلان في تركيب هذا الحليب المغذي على نحو يتطابق كل مرة ومراحل النمو المختلفة.

*الرحم الاصطناعي “المبكر“: إنها محاولة ثانية من التجارب التي تُجرى حول المراحل الأولى لتطور الجنين بعد التخصيب، إذ تعد أبحاث هيلين هونغ شينغ ليو بجامعة كورنيل أبحاث رائدة في هذا المجال، لأنّها تخطت حاجز التجربة على الحيوان لتبلغ الإنسان.

ولعلّ الدافع الأوّل لهذا النوع من التّجربة يكمن في تعويض رحم طبيعي مريض والسماح للنساء المريضات بالولادة دون اللّجوء إلى نساء يؤجّرن بطونهن لتفادي المشاكل القانونية والدينية المرتبطة بالموضوع. وتركزت تلك الأبحاث على المرحلة الأولى للزرع، بعد أن تمّ الترخيص لها من طرف مجلس الجامعة الأخلاقي للقيام بذلك على الإنسان وتحت مراقبته الفعلية. إذ بدأت هيلين بمحاولة إعادة زرع أجنة إنسانية في آلة شبيهة برحم اصطناعي، ولذلك تمّت تربية خلايا بِطانة الرحم في دِعامة هي عبارة عن رحم، تتحلل حيويا ( أي تتحلل المواد العضوية وغير العضوية بها بواسطة الفعل الحيوي) مُكوّنة بذلك جوفا داخليا.
نماذج الأرحام الاصطناعية:
* نموذج جراب حيوان الـكنغـر

*الرحم الاصطناعي "المبكر"

* الرحم الاصطناعي "المتأخر"

ثم بعد تحلل الدعامة، تمّت إضافة عناصر مغذية وهرمونية، وأخذ أجنة إنسانية تم الحصول عليها بواسطة التخصيب الاصطناعي وتركِها تنمو إلى غاية مرحلة الحشوة ( خمسة أيام) لكي توضع في هذا الجوف. وبعد ذلك تمّ ربطها ببطانة الرحم الاصطناعية لتبدأ عملية التطور. غير أنّ التجربة تمّ إيقافها بعد ستّة أيّام.

*الرحم الاصطناعي “المتأخر“: وتحاول الأبحاث إعادة إنتاج جوف أمينوي –سَلي- ووظيفة المشيمة اصطناعيا، حيث يمكن تجريب ذلك طبيا قبل تحقُّق الحمل خارج الرحم بطريقة تامة. ويتعلق الأمر هنا بأبحاث حول الرّحم الاصطناعي “المتأخر”، بمعنى أنّ الأمر هنا يبدأ من مرحلة جد متقدّمة في نمو الجنين. وما يذكر في هذا الباب أنّ العالم الياباني كووابارا وفريقه الّذي استمر في هذا المسعى بعد وفاته، بدأ في استعمال السائل الأمينوي ـ سلي ـ الذي قام باختراعه طوماس شيفر لمساعدة الأطفال الخُدَّج على التنفس بـ”تهوية سائلية”، في الوقت الذي تكون فيه الرئتان غير قادرتين على القيام بوظيفتها كاملة. فهذا السائل يملأ الرئتين وينقل الأوكسجين لكي يقوم مقام ” تهوية عادية” في محاولة كسب بضعة أسابيع إضافية لحياة الجنين خارج بطن أمه، الذي يتحدد بـ24 أسبوعا، مخافة التعرّض إلى نقص الأوكسجين في الأنسجة العصبية، وبالتّالي حدوث أضرار مميتة في الخلايا العصبية وفي الدماغ يستحيل اليوم معالجتها أو تفاديها.

ما هي تقنيات الأرحام الاصطناعية؟

على ضوء ما تقدّم، يمكن تحديد تقنيات الأرحام الاصطناعية الثلاث إجمالا في عدّة نقاط تتلخص في؛ أوّلا أنّ إمكانية حمل طفل خارج جسد أمه في أرحام اصطناعية، تُعدّ في نظر البروفيسور هنري أتلان أحد التمديدات القصوى التي يمكن أن تجمع بين تقنيات أطفال الأنابيب من جهة، وجملة التقنيات الخاصة بالإسعافات العلاجية المقدمة للأطفال الخدج الذين يولدون في المفقس الطبي أو الأرحام الاصطناعية من جهة أخرى. ثانيا إنّ المفاقس الطبية الحالية التي تقوم مقام بطن الأم لضمان نمو سليم للأطفال الخدج، يمكن أن يتم الانطلاق منها لتطوير أرحام اصطناعية داخل أجل يترواح لدى البعض ما بين 20 و50 سنة. ثالثا ترتبط تقنية الرحم الاصطناعي بتقنية التكون خارج الرحم التي وضعت أساسا في البداية بغاية معالجة حالات العقم وحالات الإجهاض المتكررة أو لحماية من يولدون مبكرا ( قبل 9 شهور)، ما يمكّنها من تطوير طريق جديد وصحي للتناسل اصطناعيا. بالمقابل، يرى البعض الآخر أنه ليس هناك من تفاؤل يُرجى من هذه التقنيات الجديدة، بل على العكس من ذلك فهي ستنزع حق تصرف المرأة في جسدها لاستغلاله من طرف الصناعة الطبية وبتواطؤ الأطباء. ممّا ينزع عن المرأة امتياز الأمومة المرتبطة بالولادة والرضاعة، تاركة مكانها لتقنية “الأرحام الاصطناعية” أو” للأم ـ الآلة”، التي ستُلقى على عاتقها مهمّة التناسل بطريقة ميكانيكية. لذلك كله، يترجم هذا النقد الحاد معقولية ما، لكن الأمر غير ذلك تماما، فاليوم وعلى الرغم من الحمل والمخاض والولادة، مازال هناك العديد من الأطفال المعرضين للإهمال وعدم الرعاية وسوء المعاملة.

خلاصة القول، يبقى الابتعاد عن الجدل العقيم وعدم الالتفات إلى العديد من المعترضين الذين يجهلون الموضوع، لأنّهم إما متحمسون وإمّا مندفعون، منصّبين أنفسهم للوصاية على الكون والأخلاق والرحمة الربانية بالتقسيط، إذ يظل الهدف هوالاستغناء عن الإجهاض مخافة تشوه أو موت الجنين وجملة التدابير التي يجب على أي إمرأة الحرص عليها أثناء الحمل ( عدم بذل جهد، مشقة وعسر..)، وكذلك تفادي مخاطر الحمل بالنسبة لبعض النساء اللواتي يعانين مرضا عضالا قد يشكل الحمل خطرا على حياتهن، من ثمّة اللجوء إلى بعض تقنيات التخصيب الاصطناعي التي يدور حولها اليوم جدل كبير.

باحث بجامعة السوربون

إقرأ أيضا:

ثورة العلوم الجينية نعمة أم نقمة

6