الثورة التكنولوجية تفرض إعادة تعريف الدولة والمواطنة العربية

الخميس 2016/09/08
التغير الرقمي مطلب جماهيري

الإسكندرية (مصر) - أكد السفير والباحث في الدراسات المستقبلية عزمي خليفة في ندوة “حراك المجتمعات العربية ومستقبل الصراع بالمنطقة” التي عقدت في إطار فعاليات مؤتمر مستقبل المجتمعات العربية التي تنظمه وحدة الدراسات المستقبلية بمكتبة الإسكندرية، أن الدولة القومية في ظل الثورة الرقمية أضحت في حاجة ماسة إلى إعادة تعريف وإعادة تحديد لدورها وعلاقتها بالمجتمع والمواطن ومختلف المؤسسات العاملة بها نظرا إلى دخول المعلومة كمكون للقوة مما غير من المفاهيم والنظريات السياسية ومناهج التحليل السياسي. وصحيح أن الدولة القومية كانت ومازالت الفاعل الأساسي في هذا النظام إلا أنها تعرضت لتغييرات حادة حسب خليفة.

“فمع اختراع الإنترنت وانتشارها شهدت الدولة نوعين من التغييرات؛ الأول على المستوى الكلي للدولة وهي تغييرات مختلفة عن تلك التي تؤدي إليها بعض تطبيقات الإنترنت مثل تويتر أو فيسبوك وهي تطبيقات تؤدي إلى تغييرات على المستوى التفصيلي وهي خارج السياق الآن ومن ثم تنقسم التغييرات إلى تغييرات فكرية وأخرى هيكلية وكل منها يدعم الآخر”.

وحلل خليفة النوع الثاني من التغيرات مؤكدا على أن الوعي بالبيئة وبالإنسانية أدّى في تفاعلهما إلى وعي كوني بأن المشكلات الناتجة عن العولمة هي مشكلات كونية (عالمية) وتحتاج إلى حلول عالمية على أساس من التشاركية كما أن المشكلات المحلية قد تحتاج أيضا إلى قدر أكبر من التعاون لتعبئة موارد عالمية لحلها، إضافة إلى سقوط جميع الحواجز الجغرافية والزمنية والسياسية مما يزيد من عمق التفاعل الإنساني على مستوى العالم.

ورأى خليفة أنه مع ظهور نتائج الثورة الرقمية في الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين تمّ طرح مفهومين جديدين لمفهوم الأمن، وكلاهما مرتبط بالآخر وهما منبثقان عن تطوير وزير الدفاع الأميركي السابق ماكنمارا للمفهوم ليرادف معنى التنمية. فقد استند التطوير الأول للأمن إلى القضاء على أي عوامل من شأنها التأثير سلبا على مستوى معيشة الشعب مما ينعكس في النهاية على درجة وفرة الخيارات التي يمكن للدولة اتخاذها للقضاء على هذه المهددات.

عزمي خليفة: الدولة القومية في ظل الثورة الرقمية أضحت في حاجة إلى إعادة تعريف لدورها

بينما استند التطوير الثاني للمفهوم إلى تطوير مفهوم الأمن الجماعي الذي سبق وساد العلاقات الدولية في القرنين التاسع عشر والعشرين ولكن بمفهوم أكثر إيجابية بمعنى أنه إذا كانت التهديدات الأمنية قد تحولت إلى تهديدات عالمية فلا بد أن يكون تحقيق الأمن عالميا أيضا ومن ثم يصبح لزاما على المجتمع الدولي التكاتف من أجل مواجهة هذه التهديدات ذات الطبيعة العالمية أيضا.

وقال إن “الخطر لم يعد يهدد حدود الدولة وإنما الخطر هو ما يؤثر سلبا على الدولة والمجتمع وهو تطور جديد لم يشهده النظام الدولي منذ انبثاقه بعد صلح وستفاليا عام 1648 فقد انتقل الصراع إلى المجتمعات داخل الدولة ولم يعد يقف عند حدودها. ومع تطور الفقه الدولي في ما يتعلق بالأمن الإنساني ارتقى مفهوم الأمن إلى مستوى جديد فبعد أن كان مرتبطا بالدولة منذ ظهور النظام الدولي، وانتقل إلى المجتمع منذ ثمانينات القرن العشرين، فقد انتقل منذ مطلع التسعينات إلى مستوى الفرد بإرهاصات تحدثت عن الأمن الإنساني وأمكن بلورتها في التقرير الخاص ببرنامج الأمم المتحدة للتنمية عام 1994 الذي صاغ المفهوم على أنه مكون من الأمن الاقتصادي، والأمن الغذائي، والأمن البيئي، والأمن المجتمعي، والأمن الصحي، والأمن السياسي والأمن الشخصي الذي شمل الأمن التعليمي.

وفي هذا المناخ ظهرت فكرة جوزيف ناي عن القوة الصلبة (وما تعكسه من أمن صلب) ممثلة في الجيوش وهي أداة الحرب للدفاع عن التهديدات الموجهة للدولة نفسها، والقوة الناعمة ممثلة في درجة تماسك المجتمع، وقيمه التي أدت إلى هذا التماسك، وقدرات الدولة على الإقناع بما في ذلك الترهيب باستخدام القوة الصلبة والقدرة على الترغيب في الاتباع (تقديم حوافز اقتصادية ورشاوى للمسؤولين).

وأكد خليفة أنه بظهور مجتمع المعرفة فقد تحول الصراع إلى صراع بين الذات والشبكات الاجتماعية التي صارت أساس المجتمع، وهو ما أدى إلى تغيير الكثير من مضمون المفاهيم السياسية السائدة مثل الشرعية والمواطنة والحكم والسيادة والسلطة والهوية والعلاقات الدولية وليس الأمن فقط، وأدى إلى ظهور مفاهيم سياسية جديدة مثل العولمة ومجتمع المعرفة وإدارة المعرفة والحكومة المفتوحة.

وبناء على هذه التحولات في مفهوم الأمن وما ترتب عليه من نتائج تحول الصراع من صراع حول الدول إلى صراع داخل الدولة الواحدة ثم بين المواطنين والشبكات وترتبت على ذلك عدة سمات لأي صراع في العالم مثل زيادة عدد النازحين وزيادة عدد اللاجئين وارتفاع التكلفة المادية للصراع وزيادة عدد وتكاليف عمليات حفظ السلام والتحول إلى مفهوم بناء السلام بدلا من مجرد حفظه وانكماش المجال الإنساني مما يستدعي الاهتمام بأساليب جديدة لحل الصراعات العربية.

6