الثورة التونسية.. أو حين يحاكم الماضي بوعي الحاضر

السبت 2017/01/14

في الذكرى السادسة للثورة التونسية، أو في ذكرى مفصل من مفاصلها، ذلك أن اختلاف التأريخ بين المنطلق ولحظة خروج الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي تعبير عن اصطفاف خفي، يبدو جرد الحساب مؤديا بالإجماع إلى حسرة شعبية بين حساب حقول الثوار وحصاد بيادر الساسة.

في الذكرى السادسة لخروج زين العابدين بن علي من سدة الرئاسة ومن البلاد، تطرح، رأسا، مسألة مقارنة المضامين التي طرحت في شعارات الشوارع بما تحقق على الأرض بعد حلول زمن الساسة محل زمن الثوار، أو بعد الاستعاضة عن زمن الهتاف بمرحلة الدولة.

محاكمة الماضي بوعي الحاضر هي ترف فكري، أو تبذير للجهد لن يؤدّي إلى فهم ما حصل، ولكن ذلك لا يحول دون ضرورة طرح الأسئلة عن حقيقة ما حدث في تونس طيلة ست سنوات، أو طرح الأسئلة أيضا عمّا لم يحدث في تونس في هذا المسار المتسارع الذي تمنّع أحيانا عن محاولات الفهم.

بعيدا عن استعراض المحطات السياسية التي حصلت في تونس، وهي محطات لا إجماع حولها إلا على ما تعلق بالتواريخ، فإن قراءة ما حصل في تونس لا بدّ أن تمرّ ببحث سجل طويل من الافتراء على الثورة. سجل خفي، تحت أرضيّ، بدأ من الأيام القليلة التي تلت خروج زين العابدين بن علي من رئاسة البلاد ومن البلاد، بسلسلة تضليلات عارمة مورست على البلاد. تضليل دشّن عملية الافتراء، وكان يتقصّد رسم مسار مختلف ومغاير عمّا أراده الشباب الذي ملأ الشارع مناديا بأن “التشغيل استحقاق يا عصابة السراق”. كان القول بأن الثورة التونسية هي ثورة كل الشعب التونسي، تضليل أول يخون اللحظة والحدث، ويريد له أن يتحوّل إلى مكتسب جماعي يحق للجميع جني قطافه، والحال أن الحدث المتفجر في سيدي بوزيد كان فعل جزء من الشعب التونسي تضرّر من السياسات والمناويل التي قدّرت دولة الاستقلال وورثتها أنها تصلح لخدمة البلاد، أو أنها التدبير الوحيد الممكن لذلك. وكان القول أن الثورة بلا برنامج وبلا قيادات وخارج فعل الساسة تضليلات أخرى، تتقصّد نيل ما يمكن نيله من الحقوق الفكرية والتجارية لفعل شعبي لا صلة له بالمتهافتين.

الثورة التونسية غدر بها حين تنادى إليها ساسة من كل حدب وصوب، لجني قطافها. ساسة لم يشاركوا في صنعها ولم يسهموا في حراكها، بل كان أغلبهم خارج مداراتها وخارج البلاد

قياس أثر التضليلات المشار إليها بما حدث لاحقا يبرر أولا دواعي استعراضها، ويفسر ثانيا أن غالبية مكونات الطبقة السياسية (إلا ما ندر من المواظبين على الفعل السياسي المعارض) التي ملأت المشهد الإعلامي والسياسي بعد أشهر من 14 يناير، وبعد عودة الثائرين إلى قواعدهم (غير سالمين أحيانا) على خلفية انتهاء اعتصام القصبة 2 يوم 3 مارس 2011، لم تأت من ميادين الثورة، بل جاءت إما من معسكرات النظام القديم، أو من فئات استسهلت ولوج السياسة بعد أن أصبحت المشاركة السياسية فعلا متاحا ومدرّا للمكاسب.

البون الشاسع بين ما طرحته الثورة وما تحقق على الأرض، فضلا عن التضليلات السياسية، كامن في أن المشكلة في تونس لم تكن تقتصر فقط على رأس النظام، على وجوب الإقرار بمساهمته، بل تتوسع لتشمل أيضا وأساسا شبكات الفساد المتصلة به وطبقات الزبائنية المتمعشة منه. في الحالة التونسية كان التخلص من رأس النظام غير كاف، لإطلاق عنان التغيير كما أريد له أن يحصل. طبقات الفساد والزبائنية ظلت في مواقعها، وإن ركنت إلى الخمول المؤقت في انحناء ينتظر مرور العاصفة، وعندما مرت العاصفة، وبدأت مواسم التسويات السياسية أعادت تلك الشبكات المدججة بكل الأجهزة، الإعلامية والسياسية والمالية، وصل حلقاتها لتعيد ترتيب المشهد وفق ما يخدم مصالحها، ووفق ما تسمح به السياقات: تأخر تكتيكي عندما يرتفع منسوب الفعل الجماهيري، وعودة لاكتساح المشهد وترتيبه عندما تتراخى الحركات المطلبية.

السؤال الجدير بالطرح دائما هو؛ ماذا تحقق من المضامين التي طرحت ونودي بها أثناء الأسابيع الفاصلة بين 17 ديسمبر 2010 و14 يناير 2011؟ وهل كانت الطبقة السياسية التونسية وفية للأحداث التي جاءت بها للسلطة؟

اطلاع سريع عاجل على الوضع الراهن للبلاد، في شتى القطاعات، كفيل بتقديم إجابة تبدّد كل علاقة مفترضة بين منشود الثورة وموجود الواقع؛ من تراجع اقتصادي، وتهديدات أمنية مترتبة على الإرهاب المستشري (وهي قضية جديرة لوحدها بمبحث خاص مستقل)، وتأزم وانسداد سياسيين انعكسا في تراشق إعلامي بين الفاعلين السياسيين، وأزمات اجتماعية مختلفة كانت صدى وترجمة لخلل الاقتصاد وشلل السياسة.

هل أن ما حدث في تونس من تراجع، وما لم يحدث من تحقيق الأهداف التي قام من أجلها حدث سمي ثورة، ناتج عن تراخي الثوار؟ أم عن خيانة الساسة؟ أم قوة النظام القديم؟ أم دليل على لا جدوى الثورة أصلا كما بدأ يلوح مؤخرا لدى بعض القراءات؟

لا يمكن تفسير ظاهرة متشابكة بعامل واحد. الركون إلى عامل واحد يوجه القراءة وينتج تحليلا كسولا لن يكون بوسعه اكتساب وجاهة سياسية أو منطقية، وسيذهب رأسا إلى تحميل طرف واحد أو جهة واحدة أو سبب واحد، كل آثام السنوات الستّ الماضية وما جدّ فيها من سقوط لشعارات الثورة في مطبات فعل سياسي لا يعترف بها أو لا يقدر على الوفاء لمضامينها.

السياقات السابقة اجتمعت، وبتفاوت الحدة والأثر، في إنتاج المشهد التونسي الراهن، والأطراف السياسية، كلها، مساهمة وبتفاوت أيضا، في صنع وإنتاج الوضع الحالي.

الثابت أن المقومات الحالية للمشهد الراهن، بما تضمنه من تحالف اليمين الديني مع اليمين الليبرالي، ومن قصور اليسار، ومن عودة عائلات النظام القديم، ومن الوضع الاقتصادي المتهالك، وعلوّ صوت الإرهاب والتشدد وتحوّل البلاد إلى أكبر مصدر للعناصر الإرهابية.. وغيرها من المقومات مظاهر مجتمعة تحيل على أن التونسي الذي تفاءل في شتاء 2011 بالثورة وبما ستفرزه من متغيرات، أصبح يجوز له “الكفر” بما جاءت به. كفر مفهوم ومبرر لا لانعدام وجاهة الشعارات المنادية بالتغيير، وإنما لأن ما تحقق لم يكن إلا نزرا قليلا مما كان يفترض أن يتحقق، مثلما تروّج بعض التصريحات المتفائلة المبررة، وأيضا لأن الأداء السياسي للحكومات المتعاقبة كان يدير ظهره لشعارات الثورة وينتج “فقه ضرورة” خاصا به يقول بتسبيق “ضرورات” الحكم على “محظورات” الثوار.

الثورة التونسية غُدر بها حين تنادى إليها ساسة من كل حدب وصوب، لجني قطافها. ساسة لم يشاركوا في صنعها ولم يسهموا في حراكها، بل كان أغلبهم خارج مداراتها وخارج البلاد، ثم جاؤوا مدججين بمقولات تتناقض مع مضامين الثورة، ثم تقدموا الصفوف، هواة، لحكم البلاد. الثورة التونسية مفترى عليها، حين تمّ اختصار مضامينها في التخلص من رأس النظام، أليس تاريخ 14 يناير دليل على أن الثورات لا تؤرخ بانتقاء مفصل من مفاصلها وإهمال زمن انطلاقها؟

صحافي تونسي

9