الثورة التونسية قد يحدث لها ما حدث لثورة صاحب الحمار

المخرج التونسي الفاضل الجزيري يؤقلم قصة "بوزيد صاحب الحمار" مع الواقع التونسي وتداعيات الثورة التونسية .
الثلاثاء 2020/08/04
صورة سوداوية عن واقع عنيف

تونس - يحكي الفيلم الروائي الطويل “قيرة” (حرب) للمخرج السينمائي التونسي الفاضل الجزيري في 115 دقيقة رحلة داعية اسمه “بوزيد” ادعى محاربة الظلم وتحول إلى طاغية متعطش للدماء، وهذه الشخصية هي انعكاس لقصة أبي يزيد بن خويلد الكدادي المعروف باسم “بوزيد صاحب الحمار”، ولكن الجزيري أخرجها من ثوبها التاريخي ليؤقلمها مع طبيعة الواقع التونسي الراهن.

ويشارك في أحداث هذا الشريط ثلة من الممثلين التونسيين على غرار طاهر عيسى بالعربي وسامي نصري وسارة الحناشي وآمنة الجزيري ومعز بن طالب وعلي الجزيري ومحمد كوكة وأكرم بوقرين وهيثم الحضيري.

صور قاتمة ومشاهد عنيفة للتعبير عن معنى “القيرة” أو “الحرب”، حيث يلاحظ المشاهد اهتماما بالغا من المخرج بهذه الصور والمشاهد في الفيلم، إذ بدت قاتمة سوداوية لتجسد معاني الحرب بمختلف ملامحها الدامية من عنف ورعب وتعذيب مادي ونفسي ومأساة إنسانية.

وقد لعب المخرج في الصورة على متناقضين اثنين هما ثنائية الضوء والظلمة في آن واحد، وقد شكلتهما النوافذ والممرات داخل الكهوف والأماكن المغلقة وفي الممرات، لتبرز الممارسة السياسية البشعة من ناحية، ومن ناحية أخرى لتسلط الضوء على المؤامرات والدسائس التي تحاك في هذه الغرف المظلمة إلى حد ممارسة كل أشكال التعذيب على الآخر من أجل البقاء في السلطة.

فيلم "قيرة" يخوض في التفاصيل الخفية عندما تُدار السياسة والدسائس في الغرف المظلمة وتعم الفوضى
فيلم "قيرة" يخوض في التفاصيل الخفية عندما تُدار السياسة والدسائس في الغرف المظلمة وتعم الفوضى

كما لعبت الصورة القائمة على ثنائية الضوء والظلمة دلالات أخرى في الفيلم، فالظلمة موظفة بإحكام لتعبر عن الظلم والاستبداد والطغيان والفقر، وأما الضوء فهو فسحة أمل للتخلص من الاستبداد وللتحرر والانعتاق.

وليست قتامة الصورة وحدها معبرة عن معنى “القيرة”، إذ غابت المشاهد العامة عن الفيلم، أو اللقطات البعيدة كما يصطلح تسميتها في لغة التقنية السينمائية، واقتصرت على المشاهد القريبة حتى تكون مقاصدها وفية لمعاني الحرب ورمزيتها من عنف وقتل ودماء ودمار وفوضى.

أما في ما يتعلق بالأماكن والتاريخ والشخصيات وعلاقتها بالواقع فتدور أحداث “قيرة” في ثلاثة أماكن لها رمزيتها هي “معلم القصبة” بمحافظة الكاف شمال غرب تونس، الذي شيده العثمانيون سنة 1600 ميلادي، و”مائدة يوغرطة” ذاك المرتفع الذي احتمى به القائد النوميدي يوغرطة من الرومان، وجامع عقبة بن نافع بالقيروان ورمزية هذه المدينة كمهد للحضارة الإسلامية، وأما الزمان فهو الواقع التونسي الراهن وتجلى ذلك من خلال ملابس الشخصيات والأسلحة المستخدمة والسيارات العصرية ووسائل الاتصال الحديثة والرقمية كالهاتف الجوال والإنترنت.

وأوجد الجزيري خيطا رفيعا بين هذه الأماكن برمزيتها التاريخية والشخصيات وقصة “ثورة صاحب الحمار” في تشابه الأحداث والشخصيات مع الواقع الحالي، فأسباب قيام ثورة صاحب الحمار وتداعياتها أوردها المخرج في حركة تقاطع إلى حد ما مع أسباب قيام ثورة 2011، ولذلك ينبّه من فشل ثورة 2011 كما فشلت ثورة صاحب الحمار.

ووظف المخرج اللقطات القريبة في الفيلم ليغوص في أعماق الشخصيات ويبرز بشاعتها في إدارة شؤون الدولة التي تحكمها المصالح الذاتية الضيقة، وتوزع فيها المناصب استنادا إلى القرابة الدموية لا إلى الكفاءة، وفيها أيضا استغلال لأجهزة الدولة وتوظيف لقضائها، وهي من عوامل استشراء الفساد والسرقة وغياب العدل وانتشار الظلم وتفاقم الفقر والجوع.

والصراع بين شخصيات “قيرة” نوعان: الأول بين السياسيين والشعب المطالب بالعيش الكريم، والصراع الثاني بين الأطياف السياسية الحاكمة التي تحيك الدسائس لبعضها البعض للانفراد بالسلطة. ففي السلطة لا مكان للقيم الإنسانية ولا مجال للاستقامة والوفاء، فمن أجل الحفاظ على الحكم قد يضحي الحاكم بأقرب الناس إليه وهم أبناؤه.

حضور المرأة في هذا العمل جاء محملا بالدلالات العميقة والرسائل المباشرة، فقد خلصها الجزيري من القيود الذكورية المسلطة عليها، فبدت الشخصيتان الرئيسيتان آمنة الجزيري وسارة حناشي أكثر عنفا حتى من الرجال أنفسهم، تحيكان الدسائس وتتلاعبان من أجل الحصول على منافع ذاتية، فلا مكان للحب وللقيم الإنسانية في السلطة، ولكن النقطة المضيئة في المرأة هي أن المخرج جعل شخصية الحاكم الدكتاتور “بوزيد” يلقى حتفه على يد امرأة، لتنطلق على إثر ذلك حياة سياسية جديدة قد يلقى الحاكم فيها المصير نفسه إذا طغى وعاث فسادا.

14