الثورة التي لم تكن.. الحكومة المصرية تعيد كتابة تاريخ 25 يناير

الاحتفاء بعيد الشرطة يطغى على ثورة يناير بعد 9 سنوات من اندلاعها.
الأحد 2020/01/26
إعادة قراءة التاريخ

القاهرة - مرّت الذكرى التاسعة لاندلاع ثورة 25 يناير في مصر، السبت، بهدوء وسط انتشار أمني مكثف في ميادين القاهرة الرئيسية وعدد من المحافظات الأخرى، ولم تلق دعوات التظاهر الخجولة التي وجهتها جماعة الإخوان، والمقاول الهارب محمد علي، استجابة من المواطنين، في وقت باتت شريحة كبيرة من المصريين غير واثقة في جدوى التغيير عن طريق الحراك الثوري، رغم أن هذا الحراك قادهم إلى ثورة 30 يونيو وعبّد الطريق أمام وصول الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى الحكم.

وطغى الاحتفاء بعيد الشرطة، الذي تزامن مع اندلاع مظاهرات ضد نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك عام 2011، على غالبية وسائل الإعلام المحلية، وبرزت شعارات “الشرطة المصرية تحتفل بعيديها” من دون حديث ولو بسيط عن ثورة 25 يناير من قريب أو بعيد، وأعدت الصحف والمجلات والفضائيات ملفات خاصة عن بطولات الأمن المصري والحديث عن دوره في الحد من وتيرة العمليات الإرهابية خلال العام الماضي.

وطغت الشرطة على الثورة هذا العام، واختفى تقريبا الجدل المستمر بينهما، إلا من إيماءات محدودة حاول البعض تعميمها، ولم تجد من يسير خلفها، خوفا من الالتصاق بالإخوان، وهي تهمة باتت تصل إلى حدّ الخيانة في مصر.

وبدا واضحاً، أن هناك محاولات لإعادة كتابة تاريخ 25 يناير، وتغير التعامل مع التاريخ باعتباره حكراً على تضحيات المتظاهرين الذين خرجوا ضد ممارسات الأجهزة الأمنية في هذا التوقيت، مع تنمية الإدراك الشعبي بأن الإطاحة بحكم مبارك لم تنعكس بالإيجاب على حياة الناس، بغض النظر عن دوافع التظاهر في ذلك التوقيت.

ويرى مراقبون، أن محاولة دوائر محسوبة على الحكومة الإعلاء من قيمة تضحيات ضباط الشرطة والتعامل مع الغضب الشعبي السابق على أنه كان جزءاً من مؤامرة مدبرة لإسقاط مؤسسات الدولة يلقى قبولاً لدى المواطنين الذين شاهدوا نتائج خروج الجماهير إلى الشارع في دول، مثل سوريا وليبيا واليمن.

وقال الكاتب السياسي، جمال أسعد، إن التاريخ تجري إعادة قراءته حالياً، لكن من زوايا مختلفة ومتناقضة تتأسس على المصلحة الشخصية والنظرة الذاتية لما حدث قبل 9 سنوات.

وأضاف لـ “العرب”، أن تحليل ذلك على الواقع يفرز قناعة بأن الشعب المصري قام بثورة عظيمة هدفت لتحقيق طموحاته بالعيش والحرية والكرامة الإنسانية، غير أنها تعرضت للاختطاف ما أبعدها عن مسارها.

والثاني معاكس لذلك تماماً، ويرى في مظاهرات المصريين العفوية في ذلك الوقت مؤامرة بالمطلق وأن القائمين عليها “عملاء”، وبالتالي فالتقييم الراهن يفتقد للموضوعية ما يجعل النظرة لهذا التاريخ ما زالت قاصرة.

وذهب البعض من المراقبين، إلى التأكيد على أن الربط بين ذكرى ثورة يناير وعيد الشرطة، محاولة للتأكيد على أن المظاهرات جاءت لإهدار عيد الشرطة، ولا تصبّ في صالح استقرار الدولة، ويقتنع هؤلاء بأن تنظيم الإخوان الذي اختطف الثورة في مهدها يحاول تغذية هذا الربط لاستمرار العلاقة المتوترة بين الشعب والشرطة.

وبحسب أسعد، وهو أحد الداعمين لثورة يناير، أن ثورة يناير بحاجة لقراءة مغايرة تضعها في إطارها الصحيح، باعتبارها هبّة جماهيرية غير مسبوقة خرج فيها قطاع كبير من المواطنين بشكل تلقائي لمواجهة الفساد، وذلك ما أوضحته أعداد المتظاهرين في 25 يناير قبل أن يهيمن عليها تنظيم الإخوان.

ويرى العديد من السياسيين أن موقف الحكومة من ثورة يناير ما زال مشوشا، فهي تتعامل معها كمؤامرة، ولن تسمح بعودة الظروف التي أحاطت بها مرة أخرى، لكنها تقتنع أيضاَ بأنه لولا خروج المصريين على نظام مبارك ما كان الرئيس عبدالفتاح السيسي نفسه موجودا في السلطة الآن.

وأكد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، إكرام بدرالدين، أن غياب ثورة يناير عن الواجهة السياسية حاليا يرجع إلى أن هناك ثورة أعقبتها، هي ثورة 30 يونيو 2013، وهي مكمّلة لها، بجانب أن النظرة الشعبية السلبية عن سنوات الثورة الأولى شهدت اضطراباً شديداً في مناحي الحياة بما أفقدها الكثير من الزخم والحيوية والبقاء في وجدان الشريحة الكبيرة من الناس.

ولم يمنع ذلك من تأثير يناير في وجدان وعقل قطاع من الشباب، نشأ على الحرية وحلم بتوسيع نطاقها، ولذلك فالهدوء الظاهر على السطح من قبلهم قد لا يعني إيمانا بكفاح الشرطة والكفر بثورة المتظاهرين، فهناك عدم اقتناع بما يتم الترويج له من مواقف إقصائية.

ولعل تعمد تجاهل ثورة يناير وقطع الطريق على إمكانية تكرار الأمر في المستقبل قد تكون له انعكاسات سلبية على المواطنين الذين دشّنوا حملات إلكترونية هذا العام للتذكير بالتضحيات التي قدمها الشباب في ذلك التاريخ، وأخذ الأمر منحى مغايرا لما كانت تخطط له دوائر رسمية بمحو الحدث من الذاكرة.

Thumbnail
1