الثورة الدينية المصرية في غير موضعها

الثلاثاء 2015/01/06

في حديثه بمناسبة الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف، أشار الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى ضرورة تحديث الخطاب الديني للتغلب على الفكر غير العقائدي الذي حاز منزلة التقديس وهو ليس من الدين، الأمر الذي دعا الصحف إلى إطلاق مقولة الثورة الدينية على ما طالب به الرئيس الأزهر الشريف، الذي حمّله الرئيس المسؤولية أمام الله فيما وصلت إليه الحالة الدينية الملتبسة.

وعلى الفور، تم إعلان حالة الطوارئ لتنفيذ توجيهات الرئيس وتم إعداد الخطط والاستراتيجيات اللازمة، ومنها “خطة عاجلة لجولات الإمام الأكبر لآسيا وأفريقيا وأوروبا بالتعاون مع وزارة الخارجية لدحض الأفكار المتطرفة وتصحيح المفاهيم الشرعية الملتبسة بما يُسهِم في إعلاء قيم ومبادئ الإسلام الحنيف ودحض الأفكار المتطرفة وتحرير المفاهيم المغلوطة التي تشوه صورة الإسلام”. (منقول عن صحيفة الأهرام 4 يناير 2015 العدد 46780).

الحقيقة أن تصرفات المسؤولين في مصر تدعوني إلى أن أوجه عناية الرئيس إلى أن الدولة ما زالت تُدار بنفس الأسلوب الذي أورثه ما هو فيه الآن من تركة ثقيلة من المشاكل. فكلما وجه نظر المسؤولين الكبار إلى مشكلة هنا أو هناك، إلا ويكون الحل بنفس الأسلوب الذي أوجد المشكلة. ولا عجب فالمشاكل لا تُحل، ولا عجب أننا نتأخر بدلا من أن نتقدم، رغم أن الرئيس يقول وينبه وأحياناً يقترح الحلول، ولكن لا حياة لمن تنادي.

فبالله عليكم، عندما يصل الرئيس إلى نتيجة يعرفها الجميع وهي أن الأفكار الدينية المتداولة بيننا، والتي هي بشرية ولا تستحق التقديس، أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الاعتقاد الديني للناس، وعندما يُلقي بمسؤولية تدارك ذلك وإصلاحه على الجهة المسؤولة عن تهذيب تلك الأفكار وتنقيتها من تطرفها، ففي أي ميدان يجب أن توجه تلك الجهة معركتها؟

العقل والمنطق يحتّمان أن تكون مسؤولية تلك الجهة الآن موجهة كلياً إلى داخل الوطن، فهذا هو ميدانها الطبيعي، فعليها، إن أرادت إحداث الثورة الدينية التي تحدث عنها الرئيس، فحص مناهجها وتنقيتها، ثم تتبع خرّيجيها الذين تشبعوا بتلك الأفكار وأصبحت جزءاً من ثقافتهم وممارستهم، ثم وضع تصور للخطاب الديني الجديد، وقبل ذلك كله، تحديد من يستطيع قيادة هذه المهمة ويكون مقبولاً من الناس، خصوصاً وأن تلك الأفكار ليست وليدة اليوم، لكنها مستقرة في الثقافة الإسلامية منذ مئات السنين، وتلك مشكلة أخرى، فقد خلت الساحة من العلماء الذين يثق فيهم المسلمون بعدما تهافت الجميع على جني أرباح المواقف السياسية.

ولكن مع الأسف، قبل أن يكون أي شيء من ذلك أولوية قصوى لإنقاذ الوطن، تفتقت الأذهان عن القيام بجولات في قارات الدنيا الخمس، والتي ستضيع الجهود في قاعات مؤتمراتها هباء، لأنها ببساطة ليست الميدان المطلوب لتوجيه الخطاب الديني إليه. فدحض أفكار بيوتنا ليس مكانه بيوت الآخرين، ولكنهم لا يعرفون غير الأسلوب القديم الذي يعتمد الكثير من الكلام والإعلام، والقليل من الأعمال والنتائج. فكلما ضاقت الحلقة على المسؤولين وعجزوا عن إصلاح أحوال الداخل، نراهم يمدون أبصارهم على الفور إلى الخارج.

إن ما طلبه الرئيس غاية في الوضوح والبساطة، لقد طلب تغيير الثقافة الدينية السائدة المعتمدة على أفكار عتيقة لا تمت إلى العقيدة بصلة، وهو مطلب مشروع ومقصود به شعب مصر، ليس شعب أميركا أو أوروبا أو آسيا أو أفريقيا أو أستراليا، ولكننا للأسف لدينا في الدولة من لا يريدون هذا التغيير، لأنهم أولا لا يعرفون طريقة أخرى غير المطلوب تغييرها، ثم والأهم من ذلك إنهم يتكسبون من الاتجار بها، فهم يكرهون التغيير ويمقتونه ويقفون له بالمرصاد.

فماذا أنت فاعل يا سيادة الرئيس، أمامك طريقان لا ثالث لهما: إما أن تقوم بالثورة الإدارية والدينية بنفسك، فتنقذ الوطن وتضعه على طريق الحداثة، وإما أنك تسمح باستمرار الأسلوب القديم الذي يتمسك به المستفيدون، فتصل إلى نفس النتيجة التي تعاني منها الدولة الآن، ويظل شعب مصر يدور في نفس الدائرة الجهنمية من الفقر والجهل والتخلف. احسم أمرك وقم بالعمل الصحيح لصالح الوطن والمواطن.


كاتب مصري

9