الثورة الرقمية أعادت لحمة المجتمع بعد أن قسمته الصحف المطبوعة

الأربعاء 2014/02/12
العالم يشهد فوضى شبابية غير ممنهجة في صناعة المعلومة

أبوظبي- في الوقت الذي عملت فيه وسائل الإعلام المطبوعة على (تفجير) أو تحطيم أو تقسيم المجتمع إلى فئات، تعمل وسائل الإعلام الإلكترونية على إرجاع الناس مرة أخرى إلى الوحدة القبلية، وتجعلهم يقتربون مرة أخرى من بعضهم البعض، وعادت حاسة الاستماع مرة أخرى إلى السيطرة، وأصبح الناس يحصلون على معلوماتهم أساساً بالاستماع إليها.

لا أحد يدري على وجه الدقة كيف ستنتهي الثورة المعلوماتية، كما كان العالم القديم يجهل ما كان يعنيه اكتشاف الطاقة النووية. وكانت الآراء تقول إن العالم اكتشف وسيلة لتوليد الطاقة وتحريك المعامل لما فيه خير البشرية ليكتشف لاحقا أنه فتح باب الحروب الهائلة لتدمير العالم وإشاعة الخوف والقلق وإرهاب العباد والدول ضمن الحروب النفسية. ولا نستطيع اليوم أن نقرر بالتحديد مستقبل البشرية في هذا الكم الهائل والمفزع من المعلومات التي تتدفق في قنوات الإعلام الجديد، والفوضى في الأفكار والمعلومات التي تزيد من قلق البشرية وإحباطها ويأسها.

وأخطر ما نواجهه اليوم هو العبث بالمعلومة من قبل الشباب، واللعب بمضامينها، وتحويل هذا العبث إلى منهج حياة، تأخذ أبعادا اجتماعية ونفسية تضر بالمجتمع وقوانينه وأعرافه وقيمه، فنحن اليوم نشهد فوضى شبابية غير ممنهجة في صناعة المعلومة، وهي صناعة تتقمص فكرة نظرية (القطيع) وهي نظرية تلخص ردود الأفعال البشرية لاسيما حينما تكون مع الجماعات غير المنظمة، وانتهت إلى أنه كلما زاد (عدد الأفراد) كلما قل (العقل الواعي) وأمكن قيادتهم، فالعقل الجمعي لا يعطي الفرصة في استقلالية التفكير، وتكوين القناعة الشخصية.

من الصعب مراعاة التشريعات الإعلامية في الاتصال عبر الإنترنت الذي يخترق كل الأبعاد التشريعية ويتجاوز الخصوصية

وبينما عمل المطبوع على (تفجير) أو تحطيم أو تقسيم المجتمع إلى فئات، تعمل وسائل الإعلام الإلكترونية على إرجاع الناس مرة أخرى إلى الوحدة القبلية، وتجعلهم يقتربون مرة أخرى من بعضهم البعض، فقد عادت حاسة الاستماع مرة أخرى إلى السيطرة، وأصبح الناس يحصلون على معلوماتهم أساساً بالاستماع إليها.

وزادت وسائل الإعلام من مقدرة الأفراد على التحرك النفساني أو تخيل أنفسهم في مواقف لم يجربوها، وفي أماكن غير الأماكن التي اعتادوا رؤيتها، كما عودت أذهانهم على تصور تجارب أوسع من تجاربهم المباشرة المحدودة، وعلى تخيل مناطق لم يشاهدوها وبمعنى آخر، فنحن نشاهد تطورا في حجم وتدفق المعلومات، مثلما نشاهد أيضاً انتهاكات خطيرة في صناعة المعلومة واستثمارها سلبياً من قبل الشباب في الحياة العربية في البعدين السياسي والاجتماعي.لأن المشهد الحالي للمعلومات الرقمية يعبر عن (مزاجية) و(مودة) لصورة ذهنية نمطية مشتركة في طرح الرؤى وعدم يقين للواقع والأفكار. أي أن الجميع بدأ ينظر إلى الواقع العربي وكأنه حالة واحدة مجردة. فما يحدث من ربيع عربي في بلد يعاني الجوع والقهر والتخلف، لابد أن ينتقل هذا الربيع إلى بلد عربي آخر تزدهر فيه الحياة وينعم بالأمان وترتفع تنميته ودرجة سعادة الإنسان فيه.

وإذا كان البعد السياسي للإعلام الجديد يأخذ مداه التحريضي لإثارة الفتن السياسية وتكريس الانقسام وتفتيت الدول، وإثارة النعرات الطائفية والدينية والقومية، فإنه عامل جديد لإثارة الحساسيات الاجتماعية والتشهير والإشاعات السوداء والجرائم بأنواعها والانحرافات الاجتماعية وتوطين الفساد والأخلاقيات المنهارة.

وسائل الإعلام زادت من مقدرة الأفراد على التحرك النفساني وعودت أذهانهم على تصور تجارب أوسع من تجاربهم المباشرة المحدودة

ومن خلال الإنترنت ترتكب كثير من الجرائم مثل السحب الإلكتروني، التجسس، سرقة بيانات ومعلومات تتعلق بالأمن القومي، المساس بحياة الأفراد الخاصة وغيرها من الجرائم و تشمل جرائم المعلومات سرقة أو تغيير أو حذف المعلومات، مثل اختراق بريد إلكتروني والعبث بمحتوياته أو سرقة معلومات مخزنة في موقعٍ ما وهذا يحمل في طياته انتهاكاً للخصوصية وحقوق الملكية الفكرية وأنماطاً إجرامية أخرى. ذلك أن الجريمة المعلوماتية كما ذكر خبراء المنظمة الأوروبية والتعاون هي “كل سلوك غير مشروع أو منافٍ للأخلاق أو غير مسموح به يرتبط بالمعالجة الآلية للبيانات أو بنقلها”.

وفي ما يتعلق بالإطار القانوني لجرائم الإنترنت أو تشريعات الإعلام الجديد نجد أنه من الصعوبة بمكان مراعاة التشريعات الإعلامية في الاتصال عبر الإنترنت الذي يخترق كل الأبعاد التشريعية ويتجاوز الخصوصية، ويمكن هنا رسم ملامح وسمات عامة توضح الإطار القانوني لجرائم المعلوماتية والإنترنت وذلك من خلال التعريف بهذه الجرائم ثم الإشارة إلى أبعادها الأخرى.

والحل كما يرى الباحثون، يتمثل في:

الجانب الأول يتعلق بالأفراد والجهات المختلفة التي تقوم باستخدام الإنترنت لنشر المعلومات، هذه الجهات ينبغي أن تكون لديها رقابة ذاتية لكل ما تقوم بنشره على الشبكة، وإن كانت التجربة تشير إلى أن هناك أشخاصاً يفتقرون إلى تلك الرقابة الذاتيه. وعلاج هذه الظاهرة يكون من خلال القوانين الصارمة وبرامج التوعية المكثفة.

الجانب الثاني يرتبط بالعائلة نفسها، وأهمية تعميق مفهوم التوعية والحوار الديمقراطي مع الأبناء.الجانب الثالث يرتبط بالجهات الحكومية المختصة في كل دولة والتي تقع عليها مسؤولية دراسة الآثار الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للإنترنت ووضع القوانين والأنظمة التي تحكم ما هو مقبول وما هو غير مقبول!


أكاديمي وإعلامي مقيم في الإمارات

18