الثورة السورية: الصراع العسكري واستمرار التمرد

الأربعاء 2014/04/23

يواصل النظام السوري حربه المفتوحة على المدن والأرياف التي تمردت على سلطته، ويستمر الصراع على نحو مفجع، تتقدم قوات النظام السوري هنا وتتقدم كتائب الثوار هناك، ويفشل الجميع في حسم أي شيء، ليس ثمة انتصارات حاسمة أو إستراتيجية في سوريا، يراهن الجميع على الوقت، لا أحد يحتفل بانتصاراته في حقيقة الأمر، كلٌ يحتفل بخسائر الطرف الآخر، وتبدو المعارك في سوريا كما لو أنها مجرد مناسبات للاحتفال بالألم الذي يلحقه كل طرف بخصمه.

يزيد من آلام هذه الحرب فشلُ المعارضة السياسية وعجزها، وغياب أية إستراتيجية عسكرية متماسكة لكتائب الثوار السوريين، إذ باستثناء الدفاع عن مواقعها لا تبدو هذه الكتائب قادرة على تحقيق انتصارات حاسمة على الصعيد الاستراتيجي، وأعني بمواقعها تلك المدن والبلدات التي اكتسبتها بتمرد السكان على النظام الحاكم، هذا التمرد الذي ربما يكون الحقيقة الوحيدة الصالحة للبناء عليها في أي تحليل لما يجري.

الأصل في الثورة الشعبية هو تمرد السكان على نظام الحكم ورفضهم له، وعليه فإن الثورة الشعبية لا تهزم بسقوط مدينة أو مدن، كما أنها لا تنتصر بطرد النظام من مدينة أو مدن، ذلك لأن تمرد السكان على نظام الحكم هو الثورة وباستمراره تستمر الثورة، وتهزم الثورة بقبول السكان لهذا النظام طائعين أو مرغمين، أما كيف تنتصر الثورة؟ فإنها تنتصر باستكمال صياغة منظومتها البديلة لتنظيم السلطة واقتسام الثروة، وباستكمال أدوات الدفاع عن هذه المنظومة.

من هنا تكون “انتصارات” النظام السوري بائسة لأنها لا تنهي التمرد المستمر ولا تبشر بنهايته، لكنها مهمة في الوقت نفسه لأنها تشير بوضوح إلى عدم قدرة قيادات ونخب الثورة والمعارضة حتى الآن على السير في التأسيس لبديل يمكن الدفاع عنه واقعيا وتثبيته على الأرض، ولعل انتفاء القدرة هذا يرجع إلى عدم التأسيس على حقيقة أن الثورة حصيلة تمرد شعبي، وتكون حمايتها بحماية هذا التمرد ومبرراته، وتأمين مستلزمات استمراره.

إذا كان رفض قطاعات واسعة من المحكومين لنظام الحكم هو مبرر اندلاع الثورة ووسيلة استمرارها، فإن اتجاه ثورة شعبية نحو العمل العسكري، وبصرف النظر عن جدوى هذا الاتجاه، لا يعني أن الأمور أصبحت تقاس بمساحات السيطرة على الأرض، وإنما يبقى مدى اتساع الرفض الشعبي للنظام الحاكم ومدى تجذره هو المقياس الرئيس، ذلك لأن السيطرة على الأرض تتعلق بموازين القوة العسكرية والتحالفات قبل أي شيء آخر.

من هنا يشير تقدم النظام وسيطرته على مناطق كانت خارج سلطته بالاستعانة المباشرة بحلفائه إلى قدرته المستمرة على ضمان تماسك حاضنته الشعبية ونجاعة تحالفاته، ومن ثم رجحان الكفة العسكرية لصالحه، في مقابل فشل قيادة الثورة والمعارضة في الدفاع عن حاضنتها الشعبية، وفي توسيع هذه الحاضنة، وفي صياغة رؤى سياسية وتحالفات تؤمن الحماية للسكان المتمردين، وتؤمن قدرتهم على الاستمرار في الكفاح من أجل حصاد ثمار ثورتهم.

يبدو التوق إلى الخلاص من الطغيان الدافع الوحيد لاستمرار الثورة السورية حتى اللحظة، وهو الحامل الرئيس لصمودها وإنجازاتها الجزئية، لكن هذا التوق في ذاته إذا كان كافيا لانطلاق الثورة واستمرارها، فإنه غير كاف لانتصارها، وإنما ينبغي تدعيمه وتحصينه في السياسة، في الخطاب والرؤى والتحالفات، وأيضا في المناورة والتفاوض وتقديم البدائل الواقعية.

يتقدم النظام وحلفاؤه في القلمون هذه الأيام، فيما يواصل الثوار صمودهم في ظروف بالغة البؤس، وتتمكن كتائب الثورة من تحقيق تقدم نسبي في كسب وحلب وغيرها، على أن التحذير من هزيمة الثورة مع كل تقدم لقوات النظام، وفي المقابل التبشير بقرب انهيار النظام مع كل تقدم للثوار على جبهة من الجبهات، كلها ردود أفعال تشير إلى التركيز على مجريات الصراع الميداني العسكرية وإغفال العمق الحقيقي للثورة.

إن سيطرة النظام على جبال القلمون الوعرة، فضلا عن بقية الأراضي السورية التي تعج بالثوار المسلحين والسكان المتمردين، يبدو وهما بعيد المنال، ذلك لأن هذه السيطرة التي يطمح إليها النظام السوري لا يمكن أن تتحقق ما لم تستسلم الشرائح الشعبية الداعمة للثورة، وهو ما لا يبدو أنه ممكن الحدوث حتى اللحظة. إلا أنه ينبغي الانتباه إلى أن الثورة ليست على وشك الانتصار مطلقا، ويزداد حلم انتصارها بعدا مع تردي أوضاع الحاضنة الشعبية للثورة، وتناقص آمالها بالانتقال إلى حياة أفضل بعد خلاصها من تسلط النظام السوري.


كاتب سوري

9