الثورة السورية والمثقف.. جدلية الحضور والغياب

الاثنين 2013/12/16

كسرت الثورة السورية نخبوية ونرجسية المعرفة والثقافة وأسقطت عددا من المثقفين النخبويين، الذين اغتربوا عن الواقع وانكفأوا في أبراجهم العاجية، وحطت الثورة أبويتهم الفكرية وحالة القدسية والصنمية التي أحاطت بهم وبمشروعهم الفكري. مع الثورة يكون قد تراجع دور المثقف النمطي النرجسي الذي يبتدع النظريات دون أن يأخذ في الحسبان أن الاختبار الفعلي للأفكار هو الواقع.

لم يكن سقوط المثقف النخبوي إلا إعلان ولادة ما يسمى بالمثقف الهامشي، الوثيق الصلة بمثقف غرامشي العضوي، والفرق بين الاثنين أن الأخير ارتبط بطبقة اجتماعية أساسية صاعدة لها علاقة بخصوصية التركيب والبنيان الاجتماعي الإيطالي، الذي شهد تمايزا طبقيا واضح المعالم، بينما ارتبط المثقف الهامشي بشعب غالبيته من مهمشي الأرياف والأطراف، ويعود ذلك لطبيعة المجتمع السوري الذي يختلف عن سائر المجتمعات بتركيبة طبقية معقدة وتتداخل طبقاتها وأنماط إنتاجها.

للهامش مثقفيه الذين وجدوا في الثورة السورية حدثا استثنائيا، وتموضعوا داخلها أي داخل صيرورة التغيير، واستسلموا للقلق الفكري المعرفي وطرح الأسئلة أكثر من البحث عن الإجابات، وتمردوا على البداهات واليقينيات والأفكار الجاهزة المعلبة، ورحلوا مع المتحول والمتجدد وراكموا الوقائع والمعطيات عبر المشاهدات اليومية وتراكم الخبرات، وسعوا ما أمكن إلى تحويلها إلى رؤى وصياغات نظرية، منطلقين من المقولة الهيغلية، معقولية الواقع وواقعية العقل، كأساس ومرتكز لممارساتهم العملية والنظرية، ومن هنا تستمد مقولة المفكر الشهيد مهدي عامل أهميتها وشرعيتها عندما قال: إما أن يكون الفكر مناضلا أو لا يكون، ولا حياد للفكر بمعنى أن الالتزام والاندماج يمنحان المثقف القدرة على النظر في الواقع الاجتماعي من وجهة نظر الهامش، ولا تكتسب الممارسة السياسية والنظرية طابعها الثوري إلا بكونها تعبيرا عن الهامش.

ضمن هذه المناخات والرؤى، يتم إنتاج الجديد الفكري والنظري الخاص بشكل تطور بلداننا، ولا يخفى على أحد ندرة الإنتاج الفكري الخاص بالثورة السورية، وجل ما كتب يغلب عليه طابع التوصيف ويفتقد للعمق الفكري وتحليل البنى المجتمعية، وهذا يحتاج بالتأكيد إلى وقت ومدى حتى تختمر الأفكار وتنضج.

في المقابل أفرزت الثورة، المثقف النقيض للهامشي الثوري، وهو المثقف النيوليبرالي، الذي كان له تأثير بالغ الخطورة على وعي الناس وتضليلهم، لأن تموضع هذا المثقف أقرب ما يكون إلى صفوف الثورة المضادة، وغالبا ما يتوائم خطابه مع الخطاب الغربي المعادي للثورة عند تبنيه لمقولات ثقافوية استشراقية، وجدت أرضا خصبة لها في المجتمعات الأهلية المحلية ما قبل الوطنية والمدنية، وتم فيما بعد الانقلاب على الوعي الثوري المدني، الذي أبهر الجميع عند انطلاقة الثورة بالرغم من عفويتها. هذه العفوية التي كانت نقطة ضعف الثورة ولعل أخطر داء يصيب الحركة الثورية، كما قال مهدي عامل هو العفوية، إنها داء المغامرة بالثورة في زمن التخطيط الإمبريالي لها على الصعيد العالمي.

ولابد من القول أن الثورة أعادت الألق والحيوية لتنظيرات بعض المفكرين الماركسيين وعلى رأسهم غرامشي الذي أكد على ضرورة ربط النظري بالعملي (فلسفة الممارسة) وكذلك مهدي عامل الذي تأثر بغرامشي وأكد بدوره على ضرورة ارتباط النظري بالعملي، لأن النظري يحصن العمل الثوري وينأى به عن الجنوح نحو المغامرة.

واليوم بات من الملح التفكير بمسألة التنظيم وخلق بديل ثوري قوامه مثقفين، تكون أولى أولوياتهم تصويب المسار، وذلك عبر العمل على خلق وعي ثوري نقيض للسائد الطائفي، يكشف زيف الصراعات والاستقطابات، ويعيد الناس إلى جادة الحركة الثورية وأهدافها، وينتقل الشعب من السلبية السياسية إلى موقع الفاعل والمنتج.

وهي فرصة تاريخية للمثقفين الثوريين، يجب استثمارها في الزمن الموضوعي والضروري لهم، هذا الزمن الذي يميزهم عن مثقفي ما قبل الثورات، الذين بقيت أطروحاتهم أسيرة طرحها الفوقي، بسبب انعدام قيام الثورات الشعبية وبقيت أفكارهم دون حوامل اجتماعية وقوى تغيير فعلية.

من نافلة القول أن الثورة السورية تشكل تحد حقيقي للمثقف وتحديدا الهامشي وهو تحد متعدد الأوجه؛ فكري وقيمي وبحثي ومعرفي تجديدي، ولن يرتقي إلى مستوى التأريخ وإنتاج الجديد النظري إلا مثقف مندمج بالثورة، يقف في وجه المغريات ويبتعد عن الرومانسية والفوضوية الثورية، ويلتزم كما يقول عبدالله العروي بمنطق العقل التاريخي.


كاتبة سورية

9