الثورة العراقية: التخلص من "داعش" قضية وجودية

الاثنين 2014/06/23

كان لوقع انهيار جيش نوري المالكي (رئيس الوزراء العراقي) ومنذ الساعات الأولى للمواجهة، أمام الثوار المسلحين في محافظتي نينوى وصلاح الدين، تاركا خلفه مواقعه وكل ما يمتلك من سلاح وعتاد، أثر مشابه للحظة هروب زين العابدين بن علي، على الأنظمة والقوى السياسية في الإقليم وخارجه.

فالارتباك هو نفسه رغم الاختلاف في طبيعة الحدث الذي يتفق، تماما، من حيث المغزى العام مع ما جرى في تونس ومصر، من حيث انهيار النظام أمام زحف الثورات.

غير أن وقع الصدمة كان مهولا على نظامي طهران ودمشق اللذين أبديا استعدادا لدعم نوري المالكي في مواجهة “الإرهاب”، في وقت بكّر فيه الإعلام في نقل صورة “داعشية” عما جرى، مستعينا بصور ومشاهد من ليبيا ومن سوريا لدعم ما ينقل من أخبار.

وفي الوقت الذي عبّرت الثورة عن ذاتها من خلال المشاهد التي بثتها وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية ذات الصلة بالمنطقة التي خرجت عن سيطرة المالكي، ومن خلال البيانات التي أصدرتها قيادات الجهات الثورية، كان يوجد إصرار من القنوات الإعلامية على أن ما يجري في الموصل ونينوى وصلاح الدين… ليس إلا غزوة داعشية.

وهكذا صدرت التحليلات الإعلامية والسياسية كافة ترتكز على هذا التزوير الفعلي لحقيقة ما يجري. ثم تعبر عن اندهاشها لهذا «الاجتياح» الداعشي الواسع، وهذا الانهيار السريع لقوات المالكي!«داعش» التي لم تستطع الصمود أمام كتائب الجيش الحر التي تفتقر إلى كل شيء تقريبا.

ولم تتردد وسائل إعلام «عريقة» وواسعة الانتشار عن نشر صور وفيديوهات ملفقة ومزيفة يسهل كشفها حتى من قبل الهواة، لتدعم هذا التوجه. غير أن وقف بث قناتي “الرافدين” و”البغدادية” اللتين تنقلان وقائع الثورة، جاء ليكمل دائرة الحصار الإعلامي، وليعبر عن تواطؤ جميع الأنظمة في المنطقة على هذه الثورة، ما يؤكد أنها ثورة حقيقية تجعل هذه الأنظمة تتلمس خطرا. ورغم تشكيل مجالس عسكرية وسياسية لثورة العراق، ورغم إصدار هذه المجالس بيانات متلاحقة وتوجيهات واضحة للثوار، تتضمن رفضا قاطعا لأي تنسيق مع داعش، بل اعتبارها جزءا من عدة شغل الأنظمة المعادية وخنجرا مسموما في ظهر الثورات، نجد أن شماعة “داعش” لا تزال العنوان العريض التي تقدم به وسائل الإعلام إياها كل ما يجري في العراق.

وحين يتعذر التفسير، تلجأ إلى “دعشنة” القوى التي تنخرط في الثورة مهما كانت على خلاف عقائدي أو سياسي مع «داعش»، ليصبح كل من هو ضد نظام الفساد والتبعية «داعشيا» في نظرها.

ومما لا شك فيه، أن لـ«داعش» تواجدها وإمكانياتها، وأنها قادرة على استدراج المشهد الإعلامي، وعلى فرض حضورها الدعائي فيه. ولكن أيضا، إن لقوى السيطرة المحلية والإقليمية والدولية مصلحة أكيدة في أن تتسيّد “داعش” المشهد، فتجد هذه القوى المبرر الكافي لاستمرار نظام التبعية والفساد ولإظهاره وكأنه يسعى إلى المحافظة على وحدة البلاد، ويعمل على حماية المجتمع من الإرهاب، ولتظهر أن ما تسببت به هذه القوى لم يكن إلا نتيجة أخطاء في السياسة يمكن الرجوع عنها.

فتظهر أن القضية المركزية هي هزيمة الإرهاب المتمثل في “داعش”، في حين أن الحقيقة والوقائع تثبت أن الهدف هو إجهاض ثورة شعبية كاسحة، بدأت سلمية في المظاهرات والاعتصامات التي تعرضت للقمع، وكانت، وستكون، دائما في مواجهة مع الإرهاب وعلى رأسه هذه الـ”داعش”!

ومهما كان تواجد “داعش” وأمثالها من القوى الظلامية محدودا، فإن الضرورة الملحة تفرض على قوى الثورة الشعبية في العراق أن تبادر إلى استئصالها قبل أن تتغول على حساب الثورة.

ثم إن التخاذل في هذه القضية سيجعل من الصعوبة بمكان أن تمتد الثورة العراقية لتشمل كافة المناطق، وتضم كافة القوى الاجتماعية المتضررة من نظام مافيات النهب والفساد والتبعية. ولسوف يعزز إمكانية تشكيل ميليشيات طائفية دموية من قبل القوى المستفيدة من هذا النظام. ويُسقط عن كل ما جرى ويجري صفة الثورة، إذ لا ثورة تقتصر على مذهب أو طائفة.

وقد أظهرت التجربة السورية أن هذه العصابات الدموية تحاول أن تسيطر على مدينة أو ناحية وتعمل من فورها إلى بناء سلطتها “الشرعية” بدءا من إقامة “محاكم شرعية”، ثم نسف التماثيل والأضرحة، وصولا إلى التدخل المباشر في حياة المواطنين، وملاحقة الناشطين والإعلاميين وخطفهم أو قتلهم، غير عابئة بمواجهة النظام أو بإسقاطه. ما يجعلها في مواجهة مباشرة مع قوى الثورة.

وخطورة “داعش” وأمثالها تكمن في مسألتين اثنتين:

- مشروعها الظلامي المُوغل في رجعيته، والذي يقوم على إقصاء، بل اجتثاث كل مختلف مهما بدا قريبا في الأيديولوجيا والسياسة والأهداف.

- اختراقها، بقوة، من قبل شبكة استخبارات عالمية متعددة الرؤوس، تعمل على توجيه نشاطها وتوقيته بما يخدم أهدافا محددة تريد هذه الأجهزة لها أن تتحقق.

ولئن تأخرت قوى الثورة في مواجهة هذا الوباء واستئصاله، فإنه لن يطول الوقت قبل أن تبادر “داعش” إلى الغدر بقوى الثورة والعمل على استئصالها.


كاتب لبناني

9