الثورة العراقية: الحقيقة المغيبة في إعلام الأنظمة

الأربعاء 2014/06/18

في العراق ثورة، نعم إنها كذلك. محاولة الكثير من وسائل الإعلام العربية والعالمية على اختلاف مراكز تبعيتها وتمويلها إخفاء الحقيقة، واختزالها في سيطرة مجموعات من تنظيم "داعش" لا تغير منها. الآن تتوسع الثورة إلى مناطق واسعة شملت إلى حد الآن ثلاث محافظات كبرى.

دلل التقدم الكبير للثوار العراقيين وانهيار الآلاف المؤلفة من قوات السلطة أمامهم، على ضعف ذلك العقل الإعلامي العربي، في صناعة الخبر لصالح مراكزه، واستخفافه بوعي الناس. ربما محاولات إقناعنا بأن ألفين أو أكثر من مقاتلي داعش، تمكنوا وحدهم من إحداث هذا التقدم بهذا الشكل المنظم، وإثبات قدرتهم على مسك الأرض بمحافظة نينوى، التي تفوق مساحة لبنان بمرة ونصف، عدا عن صلاح الدين والأنبار وديالى، قد تنطلي على بعض “الحداثيين” العرب الذين بُحّت أقلامهم من النواح على الحال، أكثر من انطلائها على أبسط قروي عراقي ساهم في صنع الحقيقة، ويصرخ بكل ما أوتي من صوت ورصاص بأنني أنا صاحب الثورة، وأنا صانع الحرية.

لكن تبقى الوقائع أصدق أنباء من أفواه المذيعين والمذيعات. وهنا الحديث عن الوقائع العامة والشاملة والتاريخية، أي منذ احتلال العراق عام 2003، حتى بداية انهيار السلطة الحالية الجاري الآن على قدم وساق. حالة التناقض والعداء بين البيئات العشائرية والشعبية العراقية، مع السلطة ليست جديدة، وكذلك حالة الصدام، فهي امتداد لحالة الصدام مع المحتل الأميركي، التي أفرزت الكثير من القوى المقاتلة المنظمة ذات الكفاءة القتالية العالية، كما وفرت أرضية لنشاط المجموعات المرتبطة بتنظيم القاعدة.

شهدت فترة المقاومة ضد الاحتلال، فرزا عميقا في واقع تلك القوى، وحددت المسافات بينها وبين الحاضنة الشعبية لها، التي تركزت في مناطق ومحافظات الوسط والغرب والشمال. كان تشكيل مجموعات القاعدة لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق عام 2005 لتشويه المقاومة، ومنذ إعلانه عن نفسه بدأت مرحلة انحساره كذلك وتم إبعاده عن المجتمع، نظرا إلى ما كان له من ممارسات مشبوهة وتسلطية ضد السكان والعشائر، وعزل بشكل كامل، وفقد عصب قوته بهبّة عشائرية ضده، وتراجعت قواته إلى مناطق صحراوية في الأنبار، وبعض مناطق تلال حمرين في ديالى، وضعف تواجده في تلك المناطق بشكل أكبر حين غادرت مجموعات منه إلى سوريا لممارسة دور مماثل هناك.

فحالة الثورة والتأييد الشعبي الكبير لها، هما وحدهما القادران على إحداث مثل هذه الحالة من الانهيار في صفوف الجيش الحكومي. هذا الجيش وجد نفسه فجأة في مواجهة مجموعات مقاتلة تتوسع مثل كرة الثلج على أرضية تدعمها، وتنبذ جيش السلطة الذي طالما اعتبرته القاعدة الشعبية والعشائرية جيش احتلال، وذلك بسبب فساده وممارساته العدائية ضد المجتمع، وانصياعه لتوجيهات الحكومة الطائفية في قمع الحراك السلمي المطلبي الذي وسم طابع الثورة العراقية طول عام كامل.

هذه الحالة الثورية العارمة، دفعت حتى بعض القوى السلطوية، إلى الاعتراف بوجود مقاتلين عشائريين بقيادة ضباط من الجيش العراقي السابق، إضافة إلى فصائل أخرى. قال هذا الكلام أثيل النجيفي محافظ نينوى، في محاولة لإحداث حالة جديدة، كان قد أعلن عنها وهي دمج المقاتلين والثوار في قوة أمنية تدير المحافظة، على أمل أن يضع هو وباقي القوة السلطوية السنية، أقدامهم مرة أخرى في المناطق المحررة وإحداث تسوية مع السلطة.

الحملة الإعلامية المستفحلة في تضخيم الرواية الحكومية، لا يمكن عزلها عن الحرص الشديد للقوى الدولية والإقليمية على الإبقاء على نظام التوافق الأميركي الإيراني، الذي شاركت في صياغته كل الأطراف الإقليمية التي لها مصلحة في تقاسم العراق، لذلك نرى كل قوى السلطة، السنية منها قبل الشيعية، في حالة من السعي الكبير إلى تعزيز الرواية الرسمية وطلب المساعدة الدولية للسيطرة على الوضع، وهذا ما فعله أسامة النجيفي رئيس البرلمان وكذلك حليفه الحزب الإسلامي “الإخونجي”، حين طالبا تركيا والمجتمع الدولي بالتدخل لوضع حد لتنظيم “داعش” الإرهابي.

كما لا يمكن فصل الرواية الرسمية والإعلامية، التي تضخم من هيمنة تنظيم داعش، عن مساعي السلطة في الحفاظ على نفسها من الانهيار الكامل، وذلك عبر تخويف المجتمع الجنوبي الشيعي وحضه على التطوع من أجل القتال في سبيلها وفي سبيل المصالح الإيرانية التي أصبحت على المحك.

لكن توسع الثورة وسيطرتها على مناطق جديدة يوميا، وما تظهره للعلن في بيانات من قواها الوطنية والعشائرية، تبدو أوضح من كل محاولات الالتفاف عليها وإنهائها، وأيضا أقوى وأوضح من محاولات التضخيم الإعلامي بقوة “داعش” التي لا يتجاوز عدد مقاتليها بضع مئات، يقتصر وجودهم على بعض أحياء الموصل، والمناطق الصغيرة التي استطاعوا دخولها وتصوير أنفسهم فيها، مستغلين الزخم الإعلامي تجاههم، وهذا ما ركزت عليه بيانات المجلس العسكري العام لثوار العشائر، وكذلك الكثير من الشهادات والوقائع من داخل المناطق المحررة، وربما القادم من الوضوح سيكون أكبر.


كاتب عراقي

9