"الثورة العربية الكبرى".. المنسية

الجمعة 2016/01/29

قبل مئة عام انطلقت “الثورة العربية الكبرى”. يتذكّر العالم العربي سايكس – بيكو، لكنّه نسي “الثورة العربية الكبرى” التي نجد، لحسن الحظ، من يحتفل بمرور قرن عليها وإن في ظروف إقليمية أقلّ ما يمكن أن تُوصَفَ به أنّها صعبة ومعقدة ومليئة بالمخاطر.

اختار الملك عبدالله الثاني الذهاب إلى العقبة يوم السبت الماضي لرعاية مراسم تبديل راية “الثورة العربية الكبرى” ورفعها وذلك من منطلق أن العقبة هي أوّل مركز قيادة لتلك الثورة.

يشير التزامن بين “الثورة العربية الكبرى” وسايكس – بيكو إلى أنه كان هناك تنبّه عربي باكر إلى ضرورة بقاء المنطقة العربية موحّدة بعد انهيار الدولة العثمانية.

قاد الشريف الحسين بن علي الثورة العربية الكبرى التي تبيّن مع الوقت أنّها لم تكن سوى حلم عربي جميل حاربته قوى كثيرة من أجل الوصول إلى المرحلة الراهنة التي تتسم أوّل ما تتسم بحال الهلهلة والاهتراء للنسيج الاجتماعي في مختلف الدول العربية، في العراق وسوريا ولبنان على وجه التحديد.

من حسن الحظ أنّه لا يزال هناك الأردن الذي يمتلك الملك فيه ما يكفي من الشجاعة للتعلّق بمبادئ “الثورة العربية الكبرى”، التي لم تميّز بين عربي وآخر ولا بين مواطن وآخر، بل جمعت بين الشيعي والسنّي والدرزي والمسيحي واليهودي.

كان الهاشميون ضمانة لبقاء المجتمع العربي في منطقة المشرق موحّدا. كانوا ضمانة للمدينة العربية بمعناها الحضاري. كانت الهجمة التي تعرّض لها الشريف الحسين بن علي، الذي تحوّل منزله المتواضع في العقبة إلى متحف منذ العام 1973، دليلا على غياب حدّ أدنى من الوعي لدى أكثرية شعوب المنطقة.

نعم، وُجد سايكس – بيكو ولكن هل هناك من عرف كيف التعاطي مع هذا الاتفاق الذي ما كان ليجد ترجمة له على الأرض لولا الحروب التي تعرّضت لها الثورة العربية الكبرى. استمرّت هذه الحروب على الهاشميين في العراق والأردن، أي في المكانين اللذين كان يمكن أن يشكلا مثالا يحتذى به في الإقليم كلّه. أدّت الحروب التي تعرّض لها الهاشميون على مرّ التاريخ الجانب الأكبر من أغراضها. أُبيدت العائلة بشكل شبه كامل في العراق الذي يمتلك ثروات ضخمة، لكنّها بقيت في الأردن الفقير في كلّ شيء، باستثناء الإنسان. لا يزال الأردن إلى الآن صامدا هو و”الجيش العربي” الذي هو جيشه. صمد الأردن على الرغم من اغتيال الملك عبدالله بن الحسين الأوّل وهو في حرم المسجد الأقصى في العام 1951.

لا يزال الأردن يحمي، إلى اليوم، مبادئ “الثورة العربية الكبرى” ويرعاها. كان أوّل من حماها الملك المؤسس عبدالله الأوّل، ثم الحسين بن طلال الباني الحقيقي للمملكة ومؤسساتها الذي وجد في عبدالله الثاني من يستكمل الرسالة ويحافظ عليها.

سيكتب التاريخ أنّه إذا كان مكان يمكن أن تستعيد فيه النهضة العربية شبابها، فهذا المكان هو الأردن الذي عمل كلّ ما يستطيع من أجل المحافظة على ما بقي من القضيّة الفلسطينية بعدما ذهب عبدالله الأوّل ضحية رافعي الشعارات الذين لم يفهموا يوما معنى التعاطي مع الواقع ومع موازين القوى. من بين هؤلاء كان الحاج أمين الحسيني، مفتي القدس، الذي لعب دورا كبيرا في حصول النكبة في العام 1948، خصوصا أنه رفض قرار التقسيم، كما ذهب قبل ذلك إلى برلين، في أثناء الحرب العالمية الثانية، للاستنجاد بهتلر، واضعا الفلسطينيين في صفّ الذين خسروا الحرب!

من حقّ الأردن الاحتفال بمئوية “الثورة العربية الكبرى”. الأردن حمى كلّ ما بقي من هذه الثورة، على الرغم من كلّ الظلم الذي تعرّض له. لا يزال إلى الآن يؤدي هذا الدور. فالمملكة الأردنية الهاشمية هي من الأماكن القليلة في المنطقة التي فيها عيش مشترك. لا تفريق بين مسلم ومسيحي، ولا تفريق بين شركسي وعربي. أكثر من ذلك، الأردن هو بين القلائل الذين ما زالوا يعملون من أجل القضية الفلسطينية ومن أجل حلّ الدولتين نظرا إلى أنه يجد أن لديه مصلحة في ذلك. لديه مصلحة في حماية حدوده، ولديه مصلحة في حصول الفلسطينيين على حقوقهم كاملة غير منتقصة.

يقاتل الأردن في هذه الأيّام على جبهات عدّة. يقاتل في الداخل على جبهة الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها، والتي تفاقمت بسبب وجود نحو مليوني لاجئ سوري في أراضيه. يعاني الأردن أيضا من الإرهاب الذي وجد أرضا خصبة له في سوريا والعراق. ويعاني من المزايدين الذين لا يعرفون شيئا عن تاريخ البلد ووقوفه في 1970 حاجزا في وجه مشروع الوطن البديل للفلسطينيين.

لولا بسالة الملك حسين، رحمه الله، والذين كانوا إلى جانبه، لكان الأردن سقط في 1970. أنقذ الملك حسين الأردن وأنقذ الفلسطينيين من أنفسهم أوّلا. من حقّ عبدالله الثاني أن يقول الآن إنّه لا يريد أن يسمع بعد اليوم عبارة الوطن البديل. دفن الأردن هذه العبارة نهائيا وإلى الأبد بعدما رسم الحدود النهائية للمملكة.

كلّ من حارب الأردن، خدم إسرائيل بطريقة أو بأخرى. لو استمع جمال عبدالناصر للملك حسين، لما كان أوصل العرب إلى حرب 1967 التي ما زالوا يعانون إلى اليوم من نتائجها. ولو استمع حافظ الأسد إلى الملك حسين أيضا، لكان استعاد الجولان وما كان أمضى آخر حياته في الاعتراض على اتفاق السلام الأردني – الفلسطيني وفي المتاجرة بالفلسطينيين وقضيّتهم. ولو استمع بشّار الأسد لعبدالله الثاني، لكان وجد مكانا يعيش فيه معزّزا مكرّما مستمتعا بثروته الضخمة مع أفراد عائلته، بدل الاستمرار في حرب الإبادة التي يشنّها على الشعب السوري، وهي حرب ستنتهي بتفتيت سوريا رسميا.

بعد انبعاث الغرائز المذهبية بفضل المشروع التوسّعي الإيراني، من كان يتصوّر هذا الانقسام السنّي – الشيعي في منطقة كانت تحلم قبل مئة سنة بمبادئ “الثورة العربية الكبرى”؟ من كان يتصوّر أن المواطن العراقي لن يرى يوما أبيض منذ الانقلاب الدموي على العائلة المالكة في الرابع عشر من تمّوز ـ يوليو 1958؟

لم يعد الأردن يرمز اليوم إلى ما بقي من الثورة العربية الكبرى ومن مبادئها فحسب، بل ما زال يرمز أيضا إلى ما بقي من أمل في أن “الثورة العربية الكبرى” لم تكن حلما مستحيلا.

إعلامي لبناني

8