الثورة اللبنانية تغير قواعد الاشتباك مع الدولة

الهوية الوطنية اللبنانية نبتت مجددا في اللغة والمشهد والخطاب في الشارع، وانكفأ خطاب الهويات الضيقة. لغة واحدة واعدة ومتقدمة في الوعي أطلقتها ألسُن جيل من الشباب بدا متقدما في خطابه على العديد من النخب اللبنانية.
الثلاثاء 2019/10/29
الثورة مستمرة

أظهر اللبنانيون قدرة غير مسبوقة على تجاوز الخطاب السياسي الذي طالما كانت السلطة تمسك من خلاله الشارع إلى حدّ كبير، ذلك أن معادلة السلطة قامت على خطاب طالما شكّل العصب الطائفي والمذهبي مصدر حضوره وفعاليته. وبدا انقسام السلطة اللبنانية عنوانا دفاعيا في مواجهة المحاسبة ومطالب المواطنين، لكن تحالف هذه السلطة بين أركانها كان هو الحقيقة الموضوعية، فإزاء أي خطر يهدد تركيبة السلطة المشكوّ منها ومن عدم جدارتها حتى من داخلها، ما تلبث أن تتحد حين الشعور بخطر تغيير في قواعدها وشروطها، وفي نظام المخاصصة المافيوي الذي يكاد يختصر دورها في لبنان.

منذ 17 أكتوبر الجاري، انقلبَ اللبنانيون على هذه المعادلة. لقد فرضت الانتفاضة اللبنانية إيقاعا جديدا غير مسبوق في الحياة السياسية والاجتماعية اللبنانية، لا لأنها أخرجت إلى الشارع أكثر من مليون مواطن في أقل التقديرات، ولا تزال حاضرة في الساحات اللبنانية فحسب، بل لكونها أربكت السلطة والطبقة السياسية على وجه العموم، بما حملته من تغيير جذري في اللغة والخطاب السياسيين، فالذين خرجوا هذه المرة ولا يزالون في الشارع، نبذوا اللغة الطائفية والمذهبية، وتحرروا من انتماءاتهم الحزبية والضيقة، وتحدثوا بلغة واحدة لم تألفها أركان السلطة، لذا ارتبكوا فسكت معظمهم، ومن نطق منهم بدا عاجزا عن قراءة ما يجري أو يكابر في التمنع عن فهم حقيقة ما جرى ويجري في المجتمع اللبناني.

الهوية الوطنية اللبنانية نبتت مجددا في اللغة والمشهد والخطاب في الشارع، وانكفأ خطاب الهويات الضيقة تماما. لغة واحدة واعدة ومتقدمة في الوعي أطلقتها ألسُن جيل مفاجئ في قوله من الشباب، بدا متقدما في خطابه وفهمه على العديد من النخب اللبنانية، وهو جيل يؤشر إلى قدرات لبنانية عالية للتفوق على الجدل الطائفي العقيم الذي أنهك لبنان، وأضعف الدولة وقوض الاقتصاد، بما وفّره من حماية استثنائية للفساد، لاسيما في عملية النهب المافيوي للدولة وللمال العام.

هذه الانتفاضة التي شهدها كل لبنان أربكت السلطة كما أسلفنا القول، لأنها أفقدت السلطة سلاحا فتاكا كانت تمتلكه قبل 17 أكتوبر، فها هو وزير الخارجية ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، على سبيل المثال لا الحصر، يفقد فرس الحقوق المسيحية الذي امتطاه، بعدما فقد صلاحيته وكبا أمام فرس الانتفاضة اللبنانية. ولم تعد كلمة الحقوق المسيحية تغري المسيحيين ولا تستنفر فيهم أيّ عصب، وباتت خلال أيام قليلة لغة بائدة أمام حقوق المواطن اللبناني، وأكثر من ذلك لقد خرج اللبنانيون من الملعب الذي رسم معادلته أركان السلطة، وانتقلوا إلى ملعب وطني لبناني تبدو السلطة فيه عاجزة عن استيعاب قواعده الجديدة، التي يجري رسمها بنبض جديد.

بهذا المعنى بدا حزب الله عاجزا، أو لا يريد فهم هذا التحوّل العميق في الوعي اللبناني الذي عبرت عنه الانتفاضة المستمرة، فمنذ أن بدأت هذه الانتفاضة أطلق أمينه العام السيد حسن نصرالله لاءاته؛ لا لإسقاط الحكومة ولا لإسقاط العهد، وتعامل مع ما يجري باعتباره رسالة إيجابية للسلطة، وأنّ على الناس أن يعودوا إلى بيوتهم.

ومع عدم استجابة الناس لتمنيات نصرالله، كان خطابه الثاني ينطوي على رسالة أكثر تشكيكا بـ”الحراك”، فهو وإن اعتبره حراكا عفويا وغير منظم من جهات داخلية أو خارجية، أشار إلى أن الحراك بات مشبوها بسبب ما اعتبره تدخلات خارجية تريد أن تحرِفه عن مساره، كما ألمح إلى الحرب الأهلية وحذر من الفوضى، من دون أن يُبدي أي استعداد لتحقيق مطلب إسقاط الحكومة، في سلطة يعلم الجميع أنه يتحكم بإدارتها إن لم يكن بالوصاية عليها. في وقت رسخ حزب الله رغم الإرباك الذي طاله حيال هذه الانتفاضة، سواء بالتشكيك بها أو باعتبارها مجرد حراك مطلبي، أو بإحالة المشهد إلى أنه مستثمر سياسيا، وكل هذه التوصيفات تخلص إلى أن ما يجري هو استهداف للمقاومة، لذا كان استحضار نصرالله لحركة السفارات التي أشار على طريقته التشكيكية بأنها تدير مساره وتوجهاته، وهو منحى يحرص حزب الله دوما من خلاله على إحالة كل تحدّ سياسي واجتماعي واقتصادي، إلى المؤامرة على المقاومة، أي أن العقلية الأمنية ستبقى هي المعيار المحدد لتعامله مع ما يجري اليوم، وهي العقلية التي تنذر بالمزيد من الأزمات التي ستكشف عقم هذا المنحى الأمني في تفسير التحولات المجتمعية.

ما قاله حسن نصرالله يعكس إخفاقا جديدا في إدارة الأزمة وحتى استشرافها، فهو من جهة عاد إلى عادته القديمة في التهديد والوعيد إذا لم تنصع الحكومة، التي يحميها وتحديدا رئيسها، إلى مراده. ومن جهة ثانية بالويل والثبور وعظائم الأمور على المحتجين، الذين “شيطنهم” أصلا، في حال لم يستعيدوا “رشدهم” ويعودون أدراجهم، وإلا وقعوا في “إثم الخيانة”. من يعش ير.

8