الثورة المغدورة والحصاد المر للتطبيع

الثلاثاء 2017/06/13

في نوبة حماسة، بعد تفاؤل محدود بإسقاط ثورة 25 يناير 2011 لرأس نظام حسني مبارك، كتبت في صفحتي على فيسبوك هذا السطر-العنوان “تنجح الثورة إذا أعدم الدكتاتور”، دون شرح ولا إيضاح. والآن، في هذه الأجواء الرمضانية، أتذكر بأسى كلماتي الغاضبة، رغم رفضي المطلق لعقوبة الإعدام، فما بالك في ظل عدم الاطمئنان إلى إجراءات العدالة، في أجواء مرتبكة سياسيا ومشحونة بالتربص؟

كتبت ذلك السطر-العنوان، ومبارك في منتجع شرم الشيخ حر طليق بعد خلعه، في حين يرابط في ميدان التحرير أهالي شهداء قتلتهم قوات الشرطة. في ذلك الوقت رفضت القوى السياسية المشاركة في الثورة أي إجراءات استثنائية، واكتفت بالمطالبة بمحاكمة مبارك ورجال حكمه أمام المحاكم الطبيعية، بقوانين تضمن براءتهم. وفي يوم السبت 29 نوفمبر 2014 برأت المحكمة في “قضية القرن” مبارك وولديه ووزير داخليته وستة من معاونيه، وقال لهم القاضي محمود الرشيدي عند النطق بالبراءة “عودوا إلى مقاعدكم”، فعادوا.

عاد رجال مبارك إلى مواقعهم، محصّنين هذه المرة ضد أنصاف الثورات، إلى أن يستوي الشرط التاريخي للثورة. ولم أكن أنوي الكتابة عن مبارك في شهر رمضان المبارك، فالرجل بدأ عامه التسعين موفور العافية، ورجاله منتشرون في كل المواقع، ولكن إعلانات تلفزيونية يتوالى بثها في الفضائيات المصرية والعربية تحرض على التأسي بأبي ذر الغفاري، الرمز الذي استدعته ثورة يوليو 1952 فاكتشف أعلام اليمين الديني “اشتراكية الإسلام”، اقتداء بمقولة أبي ذر “عجبتُ لمن لا يجد القوت في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه؟”.

هذه الإعلانات عن تجليات الفقر لا تكذب ولا تتجمل، تنقل الحقيقة بصدق جارح، تستعطف الأغنياء وتحثهم على التصدق، وإخراج زكاة المال، لتحقيق أهداف قصيرة المدى مثل إطعام الملايين من الصائمين، وتوفير الثياب لغير القادرين، عبر مؤسسات خيرية إسلامية.

فماذا عن الفقراء المسيحيين؟ ولماذا لم نسأل عن المتسبب في هذا الإفقار رغم ما نمتلكه من ثروة بشرية تستنزف منها الأمراض أكثر مما استهلكت الحروب؟ يبدو الشعب في هذه الإعلانات فقيرا لا يجد المياه الصالحة للشرب، ضحية لأمراض السرطان يتسول العلاج، فمن السبب في جريمة لا تتم في يوم وليلة، ولا تكتمل إلا بفعل فاعل؟

حتى سبعينات القرن الماضي، كانت قريتي وعموم القرى تكتفي بما تنتج، لا يوجد عاطل أو متنطع. يعمل الرجال بجوار نساء لا يعرفن شيئا اسمه النقاب أو الخمار، ويشمرن عن السواعد بلا خجل مما سيسميه المتأثرون بالسلفية “عورة”، ففي الإنجاز والكسب الحلال لا مجال للتنطع الديني والنفاق الاجتماعي. هذا التنطع وذلك النفاق يرتبطان بالأحوال الاقتصادية والتردي السياسي والاجتماعي، فلما حلت كارثة التبعية، انتشرت البطالة، وسارع المتنطعون إلى الفتاوى، وارتفعت معدلات التدين الشكلي، مع تردي الأخلاق والاعتداء على الطرق العامة، وردم مساحات من نهر النيل، وتلويث ترع الري بكل المخلفات.

في بدايات السبعينات كنت أعمل مع أطفال في مثل سني تسع ساعات يوميا بستة قروش في جمع دودة القطن، وفي سنوات تالية عملت في الكتان بمبلغ أكبر. كانت للكتان مصانع أهلية صغيرة، ومصنع حكومي أكبر، “شركة الوادي” على مساحة 18 فدانا، يحيط بها سور عال تزّينه مصابيح كهربائية يبدد نورها خوف السائرين ليلا قبل وصول الكهرباء إلى القرية. استوعبت “شركة الوادي” طاقات من كافة الأعمار رجالا وصبيانا ونساء وبنات. الشركة الآن مهجورة، معطلة مثل مصانع باعها مبارك للتخلص من رصيد جمال عبدالناصر.

وصارت زراعة القطن ذكرى يشعر بمرارتها الفلاح الذي كان ينتظر موسم جمع القطن ليزوج أبناءه، ويستطيع شراء أي شيء طوال السنة بكلمتي “على قطن”، وهما وعد يضمنه الدائن. أما غير الفلاح فيمكنه مشاهدة الفرحة بجمع القطن في عيني محمود المليجي في فيلم “الأرض” ليوسف شاهين. فهل تم تدمير زراعة المحاصيل الزراعية الإستراتيجية، والمحاصيل الصناعية كالكتان والقطن، بتدبير خائن؟

باستثناءات محدودة تخلو مصر من منتج وطني. وفي أربع زيارات للهند لم أجد منتجا غير هندي، حتى السيارات اليابانية والكورية تصنع في الهند، ويستخدم رئيس الوزراء سيارة هندية خالصة. شاهدت سيارة مرسيدس وحيدة في شوارع نيودلهي، وفوجئت بأنها تخص السفير المصري الذي تعاني بلاده الفقر والتبعية حتى أن الجنرال بنيامين بن إليعازر وزير الصناعة والتجارة الإسرائيلي وصف مبارك، عام 2010، بأنه “كنز إستراتيجي لإسرائيل”.

تصريح كاف للرد على من يزعم أن 25 يناير مؤامرة، ويثبت أن التطبيع أكثر فائدة لإسرائيل من الحرب. وجرائم مبارك في تدمير الزراعة تكفي لإعدامه، هو ووزير الزراعة يوسف أمين والي موسى ميزار، الشهير اختصارا بيوسف والي، الأمين العام للحزب الوطني الحاكم.

في كتابها “اليهود المصريون والحركة الصهيونية” الصادر في سلسلة “كتاب الهلال”، تقدم الدكتورة عواطف عبدالرحمن تلخيصا لحصاد التطبيع مع العدو، ولثمن “السلام” الفادح والفاضح للسادات والساداتيين. سأكتفي برصد جانب من الآثار الكارثية في مجال الزراعة، فمصر التي علمت البشرية فنون الزراعة، وكانت سلة غذاء الإمبراطورية الرومانية، أرسلت الآلاف في بعثات للتدريب على وسائل حديثة للزراعة لدى العدو، فأصبحت أجساد المصريين حقول تجارب لمنتجات إسرائيلية، كما استقبلت مصر “خبراء” إسرائيليين في مجالات الإنتاج السمكي وتربية البقر والأغنام وزراعة أصناف من القطن والفواكه، واستوردت المواشي واللحوم الإسرائيلية رغم تحذيرات وزارة التموين عام 1998، وأدى ذلك إلى “إلحاق الدمار بالمحاصيل المصرية بسبب استيراد البذور والتقاوي الإسرائيلية المسرطنة والتي ألحقت البوار بالتربة”. ولم يبال الوزير موسى ميزار ولا رئيسه مبارك بتحذير مركز المعلومات والتوثيق بالمركز القومي للبحوث (1994) من “خطورة الكثير من مستلزمات الإنتاج الزراعي للخضروات والفاكهة الواردة من إسرائيل على النبات وصحة الإنسان”، وأكدت كلية الطب البيطري بجامعة القاهرة أن مشكلات صناعة الدواجن “لم تبدأ إلا بعد التفاعل مع إسرائيل في هذا المجال”، فانتشر الفشل الكلوي والسرطان وفيروس الكبدي الوبائي وارتفعت معدلات تشوّه الأجنة.

التاريخ لا يرحم المتواطئين. تساءل السادات ضاحكا بعد غزو إسرائيل لجنوب لبنان (مارس 1978) “هل أعطوهم العلقة ولا لسه؟”. وفي 4 يونيو 1981 قابل مناحيم بيجن في شرم الشيخ، وبعد ثلاثة أيام دمرت إسرائيل المفاعل النووي العراقي.

لم يشفع للمارشال بيتان انتصاره في الحرب العالمية الأولى، فلما تعاون مع النازي لاحقه ذل الخيانة، فبأي درجة يختلف التواطؤ مع الدولة الصهيونية عن منطق جمهورية فيشي؟

روائي مصري

9