الثورة اليتيمة

الاثنين 2013/09/02

ما أن بدأ الحديث عن ضربة تأديبية للنظام السوري يشغل وسائل الاعلام، حتى تحرك الدم الذي تجمد في العروق على مدى أكثر من سنتين ونصف، وانتفضت الحناجر التي أكلها الصدأ وانبلجت الشفاه الباردة بعد أن اعتراها الفتور عن صيحات الغضب والاستنكار وإلى التسابق على الدعوة للتحركات التضامنية مع سوريا التي باتت في مرمى النيران.

ترى، أين كانت سوريا على مدى أكثر من سنتين ونصف؟ بل أين كنتم؟ ماذا تبقى من المدن السورية لتدمره صواريخ الأطلسي؟ هل اطلعتم على صور حمص؟ حلب؟ داريا؟ درعا؟ بصرى الشام؟ المعظمية؟ الرستن؟ دير الزور؟…؟

«سوريا الآن في مرمى النيران» والنظام ينقل قواته الأساسية من مواقعها لتتمركز في المدارس والمعاهد والمشافي، ثم يقوم بنقل المعتقلين إلى المواقع العسكرية التي أخلتها قواته ليكون هؤلاء في مرمى النيران، دون أن يعبأ أو يُطلع الناس على حقيقة ما يجري؟ ماذا سيكون من أمرهم في حال حصلت ضربة أطلسية على سوريا؟

لقد عانت الثورة السورية من يُتم لم يعانه أحد، ففي الوقت الذي يقتل فيه الضحايا المئات كل يوم على مدى أكثر من سنتين ونصف، و يُعتقل فيه مئات الآلاف ويموت منهم الآلاف تحت التعذيب، في الوقت الذي يتم فيه تدمير ممنهج للمدن والقرى والأحياء على امتداد سوريا، ويشرّد ربع الشعب السوري داخليا وخارجيا على أيدي قوات النظام الأسدي وشبيحته، وفي الوقت الذي تتهم فيه الثورة أنها حرب إرهابية تأتي في إطار مؤامرة كونية على النظام «الممانع» و»العلماني» و»المقاوم» المتحالف مع «حزب الله» و»عصائب أهل الحق» و»دولة ولاية الفقيه» في إيران.

في ظل هذا كله وأكثر، يثبّت اليسار التقليدي العربي والعالمي عيونا من زجاج وجفونا من خشب، وعقولا من حجر، لم يخرج مظاهرة واحدة تتضامن مع الشعب السوري الجريح في أي من العواصم ولا في أي من الساحات.

الثورة السورية يتيمة، والشعب السوري يترك وحيدا يواجه أبشع المجازر وأكثر أساليب التعذيب الجسدي والنفسي على يد أبشع الأنظمة وأكثرها استهتارا بحياة الإنسان، دون أن يجد نصيرا لا من قومي ولا من يساري ولا من حزب أو من حركة وعلى امتداد العالم. هذا الجرح هو أسوأ تأثيرا واشد فتكا بقلوب السوريين من وحشية النظام.

ومن يدعي أن الثورة السورية تتلقى دعما غير محدود من قوى الرجعية والامبريالية فهو بعيد كل البعد عن الحقيقة. فمن يقول أن هؤلاء الأعداء، أعداء الشعوب والإنسانية، لا يمكن أن يقدموا دعما لأي حركة شعبية أو تقدمية أو ثورية، فإنما يطلق هذا الكلام لا أسفا على ثورة يتيمة، بل لنفي أن هناك ثورة أصلا، بل هجوم عصابات إرهابية تستهدف «نظام الممانعة والمقاومة وآخر معاقل العلمانية في الشرق».

وهكذا تصدرت جبهة النصرة الصورة الإعلامية، وانشغل النظام باعتقال العناصر والكوادر الشبابية اليسارية والتقدمية وزجها في السجون، أو اغتيالها أو قتلها تحت التعذيب.. وتشريد من لم يتمكن من القبض عليه، لتأتي دولة العراق والشام المنشقة عن جبهة النصرة والمستأثرة بالتمويل الخارجي وتمويل النظام لقاء تأمين النفط، لتكمل دور النظام في المناطق التي انسحب منها.

وإني إذ أعتقد أن الشعب السوري، في ظل الإبادة الجماعية التي يتعرض لها على يد عصابة الأسد، وفي ظل اليتم العام التام الذي تعاني منه ثورته، سيتشكر جميع الآلهة كثيرا وسيكون ممتنا لها إذا ما تعرضت الآلة العسكرية الموجهة لتدمير وطنه ولقتل أبنائه، إلى أية ضربة مدمرة مهما كانت الجهة التي تقف وراء هذه الضربة.

هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أنني أدعو، أو أستجدي غزوا عسكريا أطلسيا لسوريا. فمعاناتنا من سلوك هذا الحلف وجرائم قواته في الوطن العربي لا يمكن نسيانها. كما أن أهداف أطرافه الحقيقية التي تحركها ليست خافية. ولو أنها كانت تتحرك بدافع إنساني لما انتظرت كل هذا الوقت وكل هذه الخسائر.

وسواء حصلت ضربة أطلسية للنظام أم لا. سواء وُجّهت الضربات لمراكز قوة النظام فقط أم ترافق ذلك مع ضرب قوى الظلامية الجهادية أو حتى مع توجيه ضربات «صديقة» للجيش الحر، في كل الأحوال، يعني بضربة غربية أو بدون ضربة غربية، المطلوب اليوم وأكثر من أي وقت آخر، تفعيل التنسيقيات المحلية وجعلها تمسك بكل السلطات المحلية وتفعيل دور التنسيقيات الإقليمية والوطنية وتشكيل ما لم يُشكل منها حتى الآن. التنسيقيات الشعبية هي الجهة الوحيدة التي تستحوذ على شرعية شعبية ووطنية تجعلها هي السلطة وهي المرجعية. وعلى جميع القوى والتكتلات أن تلتزم ما تقره تلك التنسيقيات.

والمطلوب أيضا وبقوة، توحيد ألوية وكتائب الجيش الحر، الجيش الوطني السوري، متحررا من كل تلك التسميات المقيتة التي لوثت مسيرة الثورة حتى الآن، تحت قيادة مجلس عسكري واحد وفي إطار خطة عسكرية محددة تلتزم بتحقيق أهداف واضحة: مواجهة كتائب الأسد الاجرامية، مواجهة العصابات التي ترفض الانضواء تحت لواء الجيش الحر، دحر قوى الظلام الطائفية والمذهبية وفي مقدمهم ما يسمى بدولة العراق والشام وعصابات النصرة، القبض على مجرمي ما يسمى بالـ»هيئات الشرعية» ومحاكمتهم بالجرائم التي ارتكبوها بحق المواطنين وعلى رأسها انتحال صفة القضاء. تنظيف قوات الجيش الحر ممن يستغلون الفراغ الأمني لممارسة القتل والتعدي والخطف والنهب تحت أي شعار.

التزام الجيش الحر (الجيش الوطني السوري) بأهداف الثورة وبالسياسات التي تقرها تنسيقيات الثورة في مختلف مستوياتها واعتبار التنسيقيات هي السلطة الشرعية ومهام الجيش الحر حماية المواطنين والأملاك العامة والخاصة ومطاردة ودحر أعداء الشعب وثورته.

بضربة أطلسية أو بدونها، وبعيدا عن رهانات «المعارضة المكرسة» التي لا همّ لها سوى السلطة، ورغم اليتم الشديد الذي يعاني منه الشعب السوري، سوف تستمر ثورة الحرية والكرامة حتى تحقيق كامل الأهداف التي انطلقت من أجلها.

8