الثورة في ذكراها الثالثة: في البحث عن حلم سوري

السبت 2014/03/15

لم تصل الثورة السورية إلى طريق مسدود، لكنها لم تحقق أيا من أهدافها، والتي يأتي إسقاط النظام في مقدمتها، فالنظام، رغم الضعف الذي أصابه، والعزلة الدولية التي يعيشها، ما زال حتى يومنا هذا يتصرف وكأن شيئا لم يحدث، وكأن السنوات التي مرت كانت في زمن آخر، ولعل إصراره على الإنكار هو أبرز الأسباب التي حالت دون الوصول إلى حل يختصر الدم والدمار الهائل الذي حل بالدولة السورية التي تحول ثلث مواطنيها إلى مهجرين ونازحين.

في عام 2011 كان المشهد مختلفا، سبق الحدث السوري بأيام زلزال مدمر ضرب بعض المناطق، وهدد بانفجار نووي هائل، لكن نتائج ذلك الزلزال التي تم تداركها مختلفة تماما عن نتائج الحدث السوري سواء من حيث قوته أم من حيث استمراريته التي لم يتوقعها أكثر المتشائمين، ومن بينهم عاملون بارزون في المعارضة السورية، راهنوا وإن ضمنيا على تدخل دولي لن يتأخر، أم على منظومة فاسدة لا تلبث أن تنفض عن مؤسسة النظام وتساهم في انهياره، كما حدث في دول أخرى.

اختار السوريون شعاراتهم بدقة وضربوا هيبة النظام من خلال الأهازيج والكتابات التي ضجت بها جدران المدن والقرى، وكانت سرعة ابتكار الشعارات كفيلة بفقدان النظام توازنه في الكثير من الأحيان، على العكس تماما من الضربات العسكرية الموجعة التي تلقاها لاحقا، أي بعد أشهر من النضال السلمي، فقد بدا مصمما على خوض الحرب حتى نهايتها، وفق ما أكد رأس النظام وكبار مساعديه الذين قتل البعض منهم، وانشق آخرون، غير أنه استطاع أن يتخطى الضربة الأولى، وأن يعيد لملمة صفوفه واستعادة طبيعته القائمة على افتعال أزمة دولية لمعرفته المسبقة أن العالم بأسره يقف عاجزا عن حل أية أزمة يتم تدويلها، وأن المجتمع الدولي يبدأ بالبحث عن التفاصيل وينشغل عن المشكلة الأساسية، وهو ما حدث فقد تحولت الثورة السورية من حركة شعبية ضد الديكتاتورية إلى أزمة إنسانية، وبات البحث عن حلول لتفاصيل تلك الأزمة يتقدم البحث عن حل واحد لسببها الرئيس ألا وهو النظام.

وفي المقابل فقد مرت الثورة على الأرض بمراحل ارتباك جعلتها تفقد بوصلتها، وتنسى أن إسقاط النظام ليس غاية في حد ذاته وإنما وسيلة من أجل الوصول إلى دولة مدنية ديمقراطية، أدى ذلك إلى تسرب جموع من المقاتلين الراديكاليين إلى المشهد السوري للمساعدة في إسقاط النظام، ثم إقامة دولة إسلامية استغنت لاحقا عن راية الثورة، ورفعت رايات كتائب جهادية تهدد وتتوعد.

وكان النظام أكثر المستفيدين من هذا التغير المفاجئ في مسار الثورة، والذي ساهم هو شخصيا فيه، من خلال إطلاق سراح عشرات المقاتلين الذين تم تجنيد بعضهم وتحويلهم إلى جزء من مؤسسته الأمنية. فتحول خطابه المباشر ليصبح خطابا ترهيبيا لمؤيديه المتطيرين أصلا من مفهوم الأسلمة، بعد أن كان خطابا استعطافيا، واستطرادا، استجدائياً، فلم يعد الوطن غاليا، بل بات يخوض حربا عالمية ضد نموذج الدولة المدنية المتطورة، قياسا بالنماذج الفاشلة للدول العربية الأخرى، فاستعدى الجميع، ولم يبق على “شعرة معاوية” حتى مع أقرب المقربين، وانخرط في تحالف طائفي تقوده طهران، وبدأ يخوض حربا مع من يسميهم إعلامه بالجهاديين السلفيين، لكن الواقع ينقل صورة مغايرة، فغالبية المعتقلين في سجونه من دعاة المجتمع المدني ومناصري الثورة السلمية وطلاب الجامعات.

ومع أن الكثير من الدول العربية، حسمت أمرها، وانحازت للشعب السوري، وأسقطت شرعية النظام فعليا لا نظريا، إلا أن هذا الأمر لم يساهم في حسم ما بات يسمى صراعا أو نزاعا، فقد تحول السوريون إلى أزمة كبرى، وصار التفكير في مستقبلهم مقلقا ومحيرا، فما الذي سيحدث غدا؟

هذا هو السؤال الذي يسأله لا السوريون فقط، بل المجتمع الدولي بأسره، فالنظام بدأ الإعداد لحملة انتخابية تؤهل بشار لرئاسة جديدة، والاقتتال على الأرض يبقى صراعا مفتوحا على كل الاحتمالات، والمعارضة السياسية غير قادرة على تقديم رؤية واضحة لما ستؤول إليه الأمور لا بعد سقوط الأسد، ولكن على المدى القريب، وهي تبحث عن موضع قدم لها حتى في المناطق المحررة من سيطرة النظام، خاصة بعد أن تعثرت لقاءات جنيف وتحولت إلى سبب آخر للتسويف.

ويبقى الحلم السوري معلقا بانتظار حل استثنائي، حل لا يكمن في الشعارات فقط، ولكن في تغير المعادلة الدولية بأسرها.


كاتب سوري

9