الثورة وثقافة التغيير.. مصر نموذجاً وقاطرة عربية

الخميس 2013/08/08

يولد العربي مغلولاً بأفكار ماضوية مفصولة عن الحياة.. ويمر العالم العربي اليوم بمحن لا حدود لها، جاثمة على كل ما يحيط بنا، من عمليات شرذمة وقولبة وتحنيط بلفح جهنم.. لإنزال الرعب بـ «الشياطين» التي بالصدور، كي يجثم الماضي التليد على الصدور والرؤوس، وإحلال شياطين «الحاكميات» التي فاق صنيعها إبليس جحوداً وهرطقة.. وإفساداً للحياة، بكل ما يحيط بها من فنون الإعلام المرئي والمسموع والمطبوع، انتهاءً بـ «تحريم التظاهر وتكفيره»، في لعبة ماضوية مقيّدة بسلاسل «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، وطرداً لديناميكية بناء العقل الناقد، ممثلاً بثلاثية الثقافة والمثقف والإبداع الإنساني.

في الاقتصاد لدى العرب، مازال يتسيّد مفهوم الدولة الريعية، الذي يقوم على حصر مصدر الاقتصاد بالطبيعة وما يتواجد في باطن الأرض، وهو لدى العرب في اعتماد شبه كلي ما بات يرتبط باسمهم، ألا وهو النفط والغاز، وما يلخص بمصطلح «البترودولار» فضلاً عن سماته الاستهلاكية، وبسببٍ من عائداته المالية الأسطورية، بالحيلولة دون اشتراك المنتج الاجتماعي والعام بعمليات بلورة وبناء الاقتصاد، فالجهد الاجتماعي ضئيل في اقتصاد الدولة الريعية.

إن الترابط بين أحادية المورد واقتصاد الدولة الريعية، يبقي الحالة الاجتماعية في واقع هشّ، حيث لا يتوفر بناء متنوع، وينعكس هذا على مساحات الحيز الثقافي، حيث تسعى السلطات الريعية على تدجينها لإبقائها في يدها، أو شراء الضمير الثقافي أمام الانتهاكات؛ فضلاً عن الانتهاكات الكبيرة التي تقدمها الإحصائيات العالمية، أرقام لا سبيل لدحضها بالقسوة والعنف بحق الإنسان.

تقوم الفكرة الأساسية على ثبات التاريخ بلا حراك، في سيرورة ما ورائية، وعليه يجري تقسيم الإنسان إلى فسطاطي خير وشرّ مطلقين، وتستنهض لهذا الهدف شتى صنوف الأساطير، وتعميم مقولات «التراث» في زمانها ومكانها، الأمر الذي لا يصمد أمام منطق التاريخ، وطالما أن العالم الإنساني ينقسم إلى معسكرين متصارعين، يتطلب معسكر الخير وجود خليفة «مؤله»، وبسياق التأليه والتقديس مرشد عام، أهل الفتوى.. «الحل والربط» هذا هو الرحم الحاضن لحمامات الدم ودوراتها المستعادة في التاريخ.

بل إن الإنسان ذاته هو رهينة مقيّدة بسلاسل لفكرة غيب وحشي في «الولاء والبراء»، عملت «ديمقراطيات» الغرب ومشايخ الفساد على نفخ كروشها بالبترودولار لغايات معروفة، بدلاً من طرح أسئلة التنمية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، المواطنة، الدولة المدنية، والوعي والثقافة، بإذكاء خلافات الأديان والثقافات، وإذكاء خلافات المذاهب تعميقاً لتدخلها الخارجي حينما يستفحل «الكرّ والفرّ». كما تتطلب تقسيم الأرباب بين الأديان والمذاهب، حيث لكل ربه الذي يعبده، والنتيجة هي التردي والتصحر لإشباع نهم الوحش الرابض في أعماق الجهالة، أرواح يجرفها الغثيان الدموي باسم «التقوى» المصنوعة بأردأ مطابخ هذا العالم.

يمتلك التاريخ خبرات وتجارب كبيرة ومعاصرة، يمكننا أن نذكر معالمها ودورها، طالما أن الثقافة هي التي تحلل وتشخص الحال، وتضع الأسئلة وتطلق صوتها بين الناس، أو تفقد هذه النخبة الاجتماعية مبرر وجودها، فهذا الدور مفروض تاريخيا؛ يمكن مقاربته بدور ألمانيا عندما قادت عصر التنوير نخبة قليلة من المفكرين، ميدانهم الحقول المعرفية والإبداعية المختلفة، الفلسفة والموسيقى والرسم والتشكيل والأدب والرواية والمسرح والفكر والهندسة والعمارة، وقد مثل ذلك جوهر حركتها العام؛ وحول دورها ودور أوروبا من ورائها لاحقاً، فأطلقت ديناميكيات العقل الألماني الموجه نحو الوعي ورفع قيود تزييف الوعي والقولبة والانسداد الجمعي لعمليات الارتقاء والتقدم.

ذات الأمر في أميركا اللاتينية وبهذا الزمن المعاصر، فالثورة بدأت فكرية وأيديولجية، ثقافية وأدبية، وأنتجت صراعاً وتحولات سياسية واجتماعية نحو يسار ديمقراطي جديد منذ أربعة عقود وما زالت متواصلة، وقد استبقت الثورات السياسية والتغيير، منذ ستينيات القرن الماضي بعد انتصار الثورة الكوبية، بدأت بالإعصار الأدبي الذي اتخذ مركزه على الشاطئ الكولومبي ليسمع صداه العالم، خروجاً من «مائة عام من العزلة»، وانتشرت المجلات المتخصصة واسعة الانتشار عل امتداد القارة والعالم، ولم تتوقف على الروايات، بل ساهمت أسماء كبيرة بالأدب والإبداع بالمقالات، التي أشبعت الرغبات الثقافية، خاصةً للطبقة الوسطى المثقفة، نصوص قصيرة رنانة القسوة بالنقد، وامتدت إلى العشرات من المبدعين في عموم القارة الجنوبية، عملت بنشاط دائب وخلقت هذا الازدهار الثقافي والأدبي، وامتدت بالترجمات على النطاق العالمي وبعموم اللغات.

أمام العرب التجربة المصرية الراهنة، وتبرز حركة المضمون الثقافي، الذي هو بالمحصلة سياسي اقتصادي اجتماعي ثقافي عام، فعندما نضجت الأفكار تكونت حركة مجتمع بملايينه صانع للسياسة والتغيير لحل الأزمة الطاحنة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ابتداءً بإسقاط نظام الاستبداد والفساد لفتح الطريق نحو أركان الكرامة الإنسانية «عيش، حرية وديمقراطية، تنمية وعدالة اجتماعية»، وللثقافة باعتبارها العقل الجمعي على المشتركات، فهي تمتلك قدراتها الخاصة التي تؤثر في مجرى الاتجاه العام.

هذا ما نراه في مليونيات الحشد بميادين مصر العديدة، وقد تحولت إلى فن وذوق وانتظام وسلوك في الثقافة العامة، يقودها التغيير الديمقراطي والراديكالي السياسي الحاسم للتقدم إلى الأمام لا الارتداد إلى الخلف، وهو من طليعة حركة المجتمع وفي صميمه، وبتنا نرى أدب الميادين ومجمل فروع الثقافة، من الشعار السياسي إلى الثقافة، فنرى الأدب من الشعر إلى الرواية إلى القصة القصيرة، ونرى مسرح الميادين، والموسيقى والشعر الشعبي والغناء والرسم والتشكيل، والكاريكاتير، بدءا من الرسم على اللوحات والجداريات كما نرى الُمثل العليا للملايين، وهي ترتدي ثوباً من الرفعة للمهمة الأخلاقية «الايديولوجية» المطلوبة، عبر سياسة فرض نظام وقوانين للحراك والحشود في صورة الدولة الديمقراطية المدنية المطلوبة.

إن الثقافة بفروعها المختلفة وعلى رأسها الإبداع، هي صانعة الذروة الأخلاقية، حيث تحل الثقافة مكان «الدين السياسي» بين عموم الطبقات الثائرة، وتشكل رمزاً للهوية الجمعية في الربط بين توحيد الأخلاق والمثالية الروحية، وعلى أٌرض الميادين؛ يمكن القول إن هذا تعويض كبير في الوعي للطبقات المسحوقة، التي تأثرت بوعود «الإسلام السياسي والمذهبي اليميني المتخلف والمرتد إلى الوراء»، حتى وصلت إلى حال التضاد العام، حين لم يفِ بوعوده على أرض الواقع.

أدرك المصريون ومن خلال تجربة عام، بأن الثقافة الديمقراطية والتقدمية هي التي تشحن الروح والعقل المجتمعي، بمفاهيم العدل الاجتماعي والتسامح وقيّم الجمال والإبداع، وحقوق الإنسان، وهذه الثقافة هي التي تحرره من وهم التسلط والإقصاء، ومن «الأنا» ووهم الأيديولوجيات المعلقة بالهواء.

نحن اليوم أمام عالم مفتوح، حيث تضع «ما بعد الحداثة» ذلك الجزء من السياسة على رأس جدول أعمالها، وهذا لا يلغي التضاد وهو سمة التطور، وسمة إنسانية في الجسم الواحد، نحو آليات التطور الذاتي، بعد حسم الصراع نهائياً مع حالة «الدوران على الذات» وركوب موجة الثورة كما وقع في مصر وحتى 30 يونيو 2013 الماضي لتصحيح مسار ومبادئ ثورة 25 يناير 2011.

بل إن الثقافة ذاتها ليست تكويناً مستقلاً وخارج الممارسة الثقافية الجديدة، فالسياسي، لا يستطيع تجاوز خصوصية الاختلاف الثقافي، لكنه هو منْ سيحرك هذا الاشتباك العام، وأصداء الثورة المصرية تقول نحن في عالم مشترك ومتكامل كإشارات للتوجه الخارجي، بل لسنا في صراع حتى مع سكان الفضاء الخارجي. السياسي هنا يحرك الثقافة من داخل دائرتها.. وبما تمثل مصر تاريخياً من قاطرة عربية.. وبما تحمل من جماليات وإبداع وقيّم.. والثورات الشعبية الحقة عموماً تحمل ذاكرة تاريخية قوية.

9