الثورة وصراعات الهوية

الاثنين 2016/05/23

جاءت ثورات “الربيع العربي”، على شكل ثورات سياسية، بيد أن تداعياتها أدت إلى كسر كل الصناديق المغلقة، والإفراج عن كل السرديات المحجوبة والمسكوت عنها، بحيث أنها وضعت المجتمعات العربية، خاصة في المشرق العربي، دفعة واحدة وبطريقة فجئية، في مواجهة ذاتها، لاكتشاف التعدد والتنوع، كما المختلف والمشترك، فيها، وفي ما بينها.

صحيح أن الأنظمة المعنية حاولت اللعب على هذا الوتر، أي الاختلافات الهوياتية الدينية والإثنية، لأخذ الثورات بعيدا عن مقاصدها الأساسية، في التغيير السياسي والتحول الديمقراطي، إلا أن استجابة المجتمعات لهذا اللعب أو الاستثمار، لفتت الانتباه إلى العطب السائد في المجتمعات العربية، ومدى التشقّق في بناها وثقافتها، ورؤيتها لذاتها وللآخر، وهو الوضع الذي كرّسته النظم القائمة واشتغلت عليه، لتأبيد سلطاتها.

هكذا بتنا نعرف، وبثمن باهظ أن المتوحّد لم يكن كذلك حقا، وأن ثمة سرديات تعيش في الظلال، أو في حالة تعتيم، وأنّ التوحّد القائم على الهيمنة والكبت، يحمل في طياته عوامل انفجاره وتشظيه، إن لم يتم كشفه ومواجهته وفسح حيز مناسب له في المجال العام.

المشكلة لا تكمن في التنوّع والتعدّدية، وإنما في محاولة إخفائهما أو في محاولة قتلهما، ذلك أن التنوّع والتعدّدية ربما يكونان عاماي حيوية وإثراء للمجتمعات المعنية، في حال توفرت لذلك الإدارة المناسبة، والنظام السياسي الملائم، والثقافة المنفتحة، على نحو ما يجري في مجتمعات أخرى، لا تقتصر على الغرب وإنما تشمل بلدا كبيرا يعج بالتنوع الإثني واللغوي والديني مثل الهند، التي خففت من هذه المشكلة بفضل نظام سياسي يتأسس على المواطنة والديمقراطية.

وحقا فإنه لمن المدهش أن ترى في بلد حديث، من الناحية الزمنية، كالولايات المتحدة الأميركية، التي يقاس عمرها ببضع مئات من السنين، تعايشا سليما بين مواطنيها الذين يتحدّرون من كل أجناس الدنيا وأديانها، وأن يحدث ذات الأمر، أيضا، في بلد موغل في التاريخ مثل الهند.

مقابل هذين البلدين، فإن واقع البلدان العربية يبعث على الحسرة، لا سيما مع اعتبار العرب لذاتهم بمثابة أمة عريقة تمتد للآلاف من السنين، ومع اعتدادهم بلغتهم وبثقافتهم المشتركة، إذ أن كل ذلك لم يجعل التعايش في المجتمعات العربية سليما وبنّاء.

واضح أن الفارق يكمن في أن الدولة في الهند وفي الولايات المتحدة، انبنت على المواطنة الفردية، أي على العقد الاجتماعي بين المواطن الفرد الحر، والدولة، وليس على العقد الاجتماعي بين الدولة، والجماعات الإثنية أو الدينية. ذلك أن غياب الدولة، ينفي الفرد لصالح الجماعة الدينية في أحوال معينة، والإثنية في أحوال أخرى، والتي ينتمي إليها ليس بخيار الحرّ والخاص وإنما من خلال الولادة والوراثة؛ اللتين تؤبّدان الهويات ما قبل الوطنية.

وبديهي أن هذه الهويات، كالهويات الوطنية، تنبني على التخيّل، وعلى صوغ سرديات جمعية، قد تكون لها تمثّلات في الواقع، لكن الزمن والذاكرة والمخيّلة، والحاجة إلى إضفاء قيم مثل المجد والألم، البطولة والمأساة، تعلي من شأنها، وتجعلها بمثابة حقيقة إيمانية مطلقة، ولا جدال فيها.

الزمن القائم على المحو والاضطهاد يلعب لعبته بطريقة ماكرة، فكلما تعرضت هوية ما لمحاولة محو، كلما انغرست في الذاكرة، ما يمنحها مع طول الوقت، ومع الشعور بالاضطهاد، ردود فعل دفاعية، تتجلى في إضفاء بعد أسطوري على السردية، التي تتحول من كونها مجرد سردية ثقافية إلى كونها سردية حياة، وسردية مقاومة.

بديهي أننا سنصادف بين تلك السرديات روايات غالبين ومغلوبين، لكن الروايات التي تنطوي على شعور الضحية، هي التي تبدو أكثر صلابة وأكثر عمقا، وأكثر عنادا، وأكثر انغلاقا، لأنها سرديات وروايات تنطوي على روح مقاومة، في حين أن سرديات الغالبين تبدو أكثر انفتاحا وتسامحاً. ومن المفهوم أن الروايات الأولى هي روايات “الأقليات”، التي تخشى على ذاتها من الذوبان ومن الانفتاح، في حين أن الثانية هي روايات “الأكثريات”، لأنها تبدو أكثر اطمئنانا لوجودها.

بديهي أن في كل بلد ثمة “أقلية” تدّعي بأنها تعرضت للظلم لكن مشكلة هذه الروايات ليست صحة ما تدعيه فثمة شيء صحيح في كل رواية، وإنما مشكلتها في إضفاء بعد أسطوري على ذلك، وفي محاولاتها إثبات أن ثمة بعدا جوهريا عند الآخرين يدفعهم إلى استهدافها، كما أن مشكلتها الأكبر ادعاءها احتكار مكانة الضحية.

كاتب سياسي فلسطيني

9