الجائحة تضرب وجوه الجميلات.. والشيطان قادم

الفنان التشكيلي المصري عصمت داوستاشي: الكوارث تغير العالم والفن يتوقع الخطر.
الأحد 2020/04/26
الولوج بالحبر والخطوط الصارمة إلى جوانيات العمق وطبقات الاستشعار البعيدة

لم يستسلم التشكيلي المخضرم عصمت داوستاشي لهجمة الوباء من حوله، وإنما حرّكه الإحساس بالخطر فنيّا منذ وقت مبكر، حتى قبل انتشار فايروس كورونا المستجد على هذا النحو، فكانت رسوماته “لوحة كل يوم” مشحونة مع مطلع العام الجاري بحمولات بصرية وشعورية فيها الكثير من تمثلات الأزمة التي تمددت وطالت البشرية كلها، بداية من مجموعته “الشيطان قادم” في يناير الماضي، وصولا إلى أحدث مجموعاته “الجائحة تضرب الجميلات” قبل أيام قليلة.

تميزت تجربة التشكيلي السكندري عصمت داوستاشي (78 عاما) على مدار سنوات طويلة، بالقدرة على المراوغة واستيعاب مدركات ومفاهيم غير مألوفة وقيم جمالية ليست سائدة.

قدّم الفنان في مجال البورتريهات إسهامات بارزة، حرّرت اللقطات من ثباتها وسكونها، وأطلقتها في فضاءات تعبيرية دينامية، لتفيض الوجوه ببراكين انفعالية، ولتشفّ الكتل الفيزيائية والخلايا الحسية عن فيوضات داخلية وأمزجة نفسية وكأنها بوصلات جينية ونوافذ مفتوحة على التقلبات والتغيرات والاحتمالات المتنوعة.

يراهن الفنان عصمت داوستاشي على المعاني الكامنة، والأفكار بعيدة المنال، الغائرة تحت الأسطح، فالصورة هي طاقة، ووهج، وحالة طقسية كاملة، وارتحال غير آمن في طبقات الفوران، وخلخلة للتراتبية الزمنية المنطقية، بجانب إعادة صياغة العلاقة بين الأضواء والظلال، وفق تقنيات حساسة، ورؤية جمالية بالغة الخصوصية.

يسعى الفن إلى محاولة ارتياد مسالك غير مطروقة والاضطلاع بأدوار طليعية، متفاعلا مع مؤشرات واقعه المحلي والإنساني والكوني، ومستبقا حركة الأرض أحيانا عبر التجليات والتخييلات الجامحة، القائمة على الحدس والاستبطان والنظرة الثاقبة.

ماذا يمكن أن يفعل الفن حال تجوّله عبر الأزمنة، من الماضي إلى الحاضر ثم صوب المستقبل، وعند أي توقيت يطلق أجراسه؟ وأين مُستَقَرُّهُ عندما يضع يده على أزمات ومآس كبرى تلوح في الأفق، وهل يبادر باقتراح حلول أيضا، أم يكتفي بالقراءة المتعمقة وطرح التساؤلات؟

لوحة كل يوم

عصمت داوستاشي: أثق بتجلياتي وخيالاتي إلى أبعد الحدود، ومع أن الاستباق قادني إلى الرعب، فإن حمد الله والتمسك بروح التفاؤل ومواصلة العطاء الفني هي شواهد زوال هذه الأزمة وإزاحة هذا الشيطان المقيت

أبرزت لوحات عصمت داوستاشي خلال الشهور الأربعة الأخيرة كيف أن الكوارث تغيّر العالم، وأثبتت أن الفن قد يتوقع الخطر وهو بذرة صغيرة، ثم يقف مشدوها أمامه وهو شجرة شامخة.

يشير الفنان إلى أن تجربته الفنية “لوحة كل يوم”، التي انطلقت من تلقاء ذاتها مع مطلع العام الحالي، هي في حقيقة الأمر بأوامر من الملك كورونا الذي غيّر نظام الحياة تماما، معلنا بدء زمن “الكرنتينا” (الحجر الصحي).

قال لـ”العرب”، إنه لم يرسم في العام الماضي إلا لوحة واحدة لوجهه “سِلْف بورتريه”، حيث كان مريضا، ولم يدخل مرسمه طوال عام كامل، رغم وجود ثلاثة معارض استعادية لأعماله في القاهرة.

وأضاف “يبدو أنني كنت أشعر بأن عام 2019 سينتهي بكارثة، وهي التي حدثت بانتشار فايروس كورونا ليغير كل موازين الحياة، وفي طبيعتي الشخصية القدرة على استشعار ما سيحدث، سواء كان طيبا أو تعيسا، جميلا أو كارثيا، وغالبا ما أسجل هذا في لوحاتي أو كتاباتي”.

قرر داوستاشي أن يبدأ في رسم “لوحة كل يوم” مع مطلع العام الجاري، وفق حالته المزاجية والفنية في كل ليلة، ورسم المجموعة الأولى بعنوان “الشيطان قادم”، وهي “لوحات استشفافية للوباء الذي استشرى في العالم بقوة في منتصف فبراير تقريبا”.

وأوضح أن الشيطان بقرون هو فايروس كورونا الذي رسمه قبل أن تتعاظم أخباره وتستفحل خطورته كمارد قاتل مسؤول عن هذه الكارثة التي غيرت العالم، وستدخله إلى مرحلة فارقة لاحقا.

بعد إرهاصات الفن الشيطانية هذه، وتوطد أقدام الوباء في الكون عبر سلسلة من الوفيات والإصابات والأرقام المفجعة والتمثلات والإجراءات الصارمة، استكمل داوستاشي أعماله بمجموعته الثانية “الجائحة السوداء تضرب الجميلات”، وهي مجموعة من اللوحات بالحبر الأسود والأحمر والأبيض على الورق، استقصى فيها انعكاسات الأزمة على الوجوه والأجساد النسوية، وفق منظور الفنان في فن البورتريه، القائم على الاستبطان النفسي، وتتبع خارطة الشخصية المصرية عبر التاريخ، من حيث الملامح والسمات والجذور ومفاتيح الهوية.

هواجس وتساؤلات

الإحساس باقتراب الشيطان وهو لا يزال بعيدا
الإحساس باقتراب الشيطان وهو لا يزال بعيدا

علق الفنان عصمت داوستاشي تجربته الأخيرة كلها على حبال التساؤلات، والرغبة في طرح هواجسه ومخاوفه وتناقضاته على المتلقي بشكل مباشر من خلال المشاركة الافتراضية في صفحات السوشيال ميديا.

وأشار إلى أنه رسم، ولا يزال يرسم، كل يوم لوحة، لم يقدم معرضا بعد، لكنه حريص على إشراك جمهور الفيسبوك في ما يفعله، ويسجل زمن الكورونا وتعقيداته دون أن يفكر في طرح أي حلول، ويكتفي بتسجيل مشاعر إنسانية حول حدث كوني هو أول ضحاياه المفترضين (بحكم السن) فمن أول المعلومات أن الوباء يصيب كبار السن المرضى، كأنه سمع حكما بإعدامه، لكن يد الفن تعمل بحماس وجد. مع استشراف لوحات عصمت داوستاشي حول زمن الكورونا مستجدات الأحداث بصريّا، فإن إحساس الفنان بالمسؤولية يبدو دائما دافعا نحو الأمل والتفاؤل، فتحسس الأخطار الكارثية جماليّا يستدعي التعويل على الجمال ذاته كوقود حيوي للصمود والمقاومة والتضافر الإنساني أمام عصف المحنة.

ولفت إلى أن للفن دورا سحريا في هذا الصدد، وربما لا يستشعر عامة الناس ما يبادر به الفنان، فالإبداع مجموعة رسائل معبرة عن تفاعل الإنسان مع واقعه، منذ كان يعيش في الكهف خائفا من الحيوانات المفترسة، وصولا إلى المحبس الحالي في كهوف منازلنا خوفا من المرض ومن المجهول المفترس.

ورأى أن الاستباق روح الفن المجدد، هذا الاستباق مثلما أنه في قراءة الطالع السيء، فإنه معبر إنساني نحو الأمل والنجاة من خلال الإبداع الذي يستبشر خيرا بتخطي الأزمة الحالية.

وأكد لـ”العرب” “أثق بتجلياتي وخيالاتي إلى أبعد الحدود، ومع أن الاستباق قادني إلى الرعب، فإن حمد الله والتمسك بروح التفاؤل ومواصلة العطاء الفني لنشر الجمال والمتعة والدهشة هي شواهد زوال هذه الأزمة وإزاحة هذا الشيطان المقيت، الذي ودّعته بلوحة عنوانها: مع السلامة”.

13