الجابري واختزال الهويات

الجمعة 2016/03/11

قضيت هذا الأسبوع في متابعة السجال الذي كـان بين المثقفــيْن المعـروفين المغربي محمد عابد الجابري واللبناني جورج طرابيشي، ومن قبل كنت قد تابعت بكثير من الفرح ذلك الحوار الخلافي بين الجابري وحسن حنفي حول التمايز بين طرائق تفكير أبناء المنطقة المغاربية وبين أهلنا في المشرق العربي، وبين الجابري وبين ومحمد أركون بشأن خصائص العقل العربي ثم العقل الإسلامي.

لا بدّ من التوضيح أولا أن مثل هذه السجالات هي أكثر من ضرورية، وهي علامة صحية في حياتنا الفكرية والثقافية، حيث أنه لا يمكن لنا أن ننشط الدافع الحيوي المحرك لمجتمعاتنا من دون الحوار الدائم. فأركون يختلف مع الجابري في تحديد المفهوم، حيث يرى أن تسمية “العقل العربي” الوارد في كتاب الجابري لا يطابق حقائق التاريخ والحضارة، لأن معظم من أنتجوا الفكر والشعر والثقافة كما في مدونتنا الكبرى ينتمون إلى أعراق وإثنيات مختلفة وليسوا كلهم عربا، وهم قد لقحوا الإنتاج الفكري والثقافي بحساسياتهم المتنوعة التي جلبوها من بلدانهم وحضاراتهم الأصلية، وجرّاء ذلك يقترح أركون تسمية بديلة وهي “العقل الإسلامي”.

أما الخلاف بين الجابري وطرابيشي فيتصل مباشرة بمفهوم العقل نفسه منظورا إليه من الزاوية المركزية الإثنية من قبل الجابري، على حساب المنظور الوحدوي الجدلي للعقل العربي الإسلامي كما يقول طرابيشي في نقده له.

في سياق هذا الجدل يبدو لي أن جانبا مهما من كتابات الجابري لم تدرس باستفاضة، وأعني بذلك كتبه المكرسة لدراسة الثقافة في علاقتها بالهوية مثل كتابيه “مسألة الهوية”، و”المسألة الثقافية”. في هذين الكتابين يختزل الجابري الهوية ببلداننا في العروبة والإسلام، وفي الصراع بين هذين القطبين وبين الغرب، ففي كتابه المسألة الثقافية يرى “أن الثقافة العربية كانت ولا تزال المقوّم الأساسي بل الوحيد لعروبة الأقطار العربية” ولوحدتها ولشخصيتها. ولكنه يعترف أيضا بأن “الوطن العربي ليس موطنا لجماعة إثنية واحدة بل لجماعات ومجموعات ذات أصول إثنية مختلفة”.

كما يقول حرفيا “ليس هناك عرق في الوطن العربي يريد فعلا الانفصال والخروج عن هذا الوطن”. وهنا نتساءل: ماذا يقول الجابري، مثلا، عن الأكراد الذين يطالبون بأكثر من الحق اللغوي والثقافي، أو لفصيل لا يستهان به من البربر الذي يطالب بمساواة اللغة العربية مع الأمازيغية ويؤمن أن الشخصية الوطنية مشروطة بهذين المقومين وليس بواحد مهيمن؟ وكيف يفسر لنا ما حدث للسودان من تقسيم على أساس العرق والدين؟ هذه مجرّد أسئلة أولية وآمل أن أخصص مساحة أكبر لمناقشة المشكلات النظرية عند الجابري وظاهرة الاختزال عنده.

كاتب من الجزائر مقيم في لندن

15