"الجاحظية" بعد مؤسسها تتوارى عن المشهد الثقافي الجزائري

لم يكن روّاد جمعية الجاحظية الثقافية، الواقع مقرّها بشارع رضا حوحو قرب سوق كلوزيل في قلب الجزائر العاصمة، يعرفون أنّ حال الجمعية سيسوء من سنة إلى أخرى، على خلاف العادة، لأنّ من كان ينشر في ذلك المقر دفئا أبويّا حانيا، وحركة دؤوبة غير منقطعة، غادر ذات يوم من شهر أغسطس 2010 إلى غير رجعة.
الجمعة 2015/11/27
جمعية الجاحظية تدخل مرحلة السبات العميق برحيل مؤسّسها الأول

الجزائر - تدهورت أوضاع جمعية الجاحظية الثقافية الجزائرية، التي أسّسها الروائيّ الجزائريّ الراحل الطاهر وطار، شيخ الروائيين الجزائريين مثلما يحلو لبعضهم تسميته، والذي فارق الحياة منذ قرابة الست سنوات، حيث باتت غير قادرة على أن تجمع روّادها كعادتها في ناديها المتواضع، الذي صار أثرا فارغا يملأه البرد والغبار، ولم تعد تلتئم بمقرها تلك النقاشات الأسبوعية التي كان الطاهر وطار يدعو إليها الصحفيين والمثقفين، ويديرها هو بنفسه أحيانا أو يسند إدارتها إلى بعض الوجوه الثقافية والأدبية في أحيان أخرى.

في سنة 1989 خاض الطاهر وطار رفقة بعض أصدقائه من المثقفين وعلى رأسهم يوسف سبتي، وعثمان بيدي، مغامرة تأسيس جمعية الجاحظية الثقافية، تيمّنا باسم الجاحظ المعروف بغزارة علمه وكثرة مؤلفاته، واتّخذوا لها “لا إكراه في الرأي” شعارا، وكانت الجزائر يومها تعيش على وقع نقاشات فكرية متعددة المشارب والوجوه.

ظلّت الجاحظية منذ ولادتها تعقد اجتماعاتها في بيت مؤسّسها، إلى أن حصلت على شقة بمنطقة عين النعجة (15 كم عن مركز الجزائر العاصمة)، قام الطاهر وطار في ما بعد باستبدالها بشقة أخرى، في موقع غير بعيد عن ساحة موريس أودان وسط العاصمة. وفي سنة 1993، انتقلت الجاحظية إلى مقرّها الحالي بشارع رضا حوحو الذي حصلت عليه كهبة من ولاية الجزائر العاصمة.

ويتشكّل مقر الجاحظية من أربعة أقسام أولها المقام الزكيّ للولي الطاهر، وسمّي بهذا الاسم تكريما للطاهر وطار، وبه يجري تصميم وبرمجة وتصفيف الأعمال قبل أن تكون جاهزة للطبع والنشر، كما يضمّ القسم مكتب الطاهر وطار وصالون الاستقبال الذي كان يلتقي فيه بضيوفه، وسكرتارية الجمعية.

وثانيها قاعة المحاضرات التي تسع حوالي مئة شخص، وتتوسط المقر، وبها كانت تنظمّ النشاطات الأسبوعية، كما ظلّت تستغلّ كفضاء لتنظيم معارض الفن التشكيلي على مدار السنة، وتضمّ القاعة أيضا مكتبة تحوي آلاف العناوين في التخصّصات المختلفة.

وتتوفر الجاحظية على مطبعة قديمة، وأستوديو سمعي، يتوفر على تجهيزات صوتية بإمكـــــانها إنجاز التسجيـــلات السمعية على أشرطة أو أقراص مضغوطة، لتلبية حاجات الفنانين. وهناك أيضا قاعة الموسيقى، والنادي الذي يشكّل نقطة لقاء للمثقفين الذين يقصدون الجمعية قصد تبادل الآراء حول شؤون الثقافة والإبداع.

قامت الجاحظية على مبدأ دعم ونشر الإبداع والفكر بتجلياته المختلفة، فأصدرت مجلة “التبيين”، وهي مجلة نقدية أدبية صدر منها إلى الآن 37 عددا، ولها ملحق شعريّ يسمّى “القصيدة”، وهو أقلّ انتظاما من حيث الصدور، حيث صدر منه حتى الآن 12 عددا. أما مجلة “القصة”، فصدرت منها أربعة أعداد فقط، قبل أن يتمّ ضمّ مجلة “القصة” وملحق “القصيدة” إلى مجلة “التبيين”.

كما أصدرت الجاحظية عشرات العناوين من الكتب لأسماء أدبية وثقافية عربية، مكرّسة وغير مكرّسة. إضافة إلى ذلك أرست الجاحظية دعائم جائزة عربية للشعر حملت اسم شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكرياء، وهي الجائزة التي بدأت جزائرية محضة، ثم تطوّرت لتصبح مغاربية. وبدءا من عام 2007 صارت جائزة عربية سنوية، قبل أن تتحوّل منذ دورتها لعام 2009 إلى جائزة تنظم كلّ سنتين، وقد فاز بها إلى غاية 2011 اثنان وستون شاعرا وشاعرة من العالم العربي.

وقبل أن تدخل جمعية الجاحظية مرحلة السبات العميق برحيل مؤسّسها الأول الطاهر وطار، صاحب “اللاز” و”الزلزال” و”الشهداء يعودون هذا الأسبوع” إضافة إلى الكثير من الأعمال الروائية والقصصية الأخرى، ناضل خليفته على رأس الجمعية محمد تين من أجل المحافظة على إرث صديقه ورفيق دربه، لكن يبدو أنّ الرياح تأتي دائما بما لا تشتهي السفن، فالدعم الذي حاول رئيس الجاحظية الحالي الحصول عليه من أكثر من جهة رسمية لم يؤت أكله، واختفت الجوائز والمطبوعات والمجلات، وحتى ذلك الشاي الذي كان يوزّع على قاصدي الجمعية من المثقفين -على قلّتهم اليوم- لم يعد له وجود، ولم يبق في المكان سوى ذلك الشيخ الطاعن في السن، وقد ألِفَه كلّ من عرف الجاحظية منذ أيام الطاهر وطار وهو يقدّم الشاي لضيوف الجمعية.

وما زال الشيخ القائم على شؤون نادي الجاحظية البارد كشتاء قاس، يفتح الباب لمن يأتي إلى مقر الجمعية قاصدا حاجة ما، فيسأله “ماذا تريد؟”، ومهما كان نوع الطلب الذي يسأل عنه السائلون، فليس هناك غير إجابة واحدة مستنسخة لدى الشيخ القائم على النادي وهي “أعتذر، فلا يمكن تلبية طلبكم”، ثم يسارع إلى غلق الباب ويتوارى خلفه، مثلما توارى الطاهر وطار في مرقده الأبديّ بمقبرة العالية وسط الجزائر العاصمة.

15