الجاحظ محترقا في عمان

السبت 2018/02/10

لا تذكر كُتب السِيَر كيف كان الطقس بالبصرة في ذات يوم من عام 255 للهجرة، الموافق لسنة 868 للميلاد، لكنه غالبا كان كعادته رطبا كما في أغلب مدن الجنوب العراقي، حين كان الجاحظ يجلس في مكتبته بالبصرة، يراجعُ –رغم المرض الذي أقعَدَه والشيخوخة التي داهمته- مجموعة من المخطوطات، قبل أن ينهال عليه رفٌّ من الكُتُب ليرديه قتيلا، لكنّ التاريخ اليومي الذي نعيشه في هذه الفجوة الزمنية التي يمكن تسميتها “التيه العربي”، يضعنا أمام حادثة حريق مكتبة خزائن الجاحظ العريقة في وسط العاصمة عمّان مع نهاية الشهر الماضي في ليلة باردة.

التفاصيل الشحيحة التي ورَدت دون متابعات متكاملة تقول إن الحريق الذي تسبَّبَت به مدفأة تعمل بالكاز، اِلتهم أكثر من 10 آلاف كتاب، تتنوُّع عناوينها باختلاف الاختصاصات، ومنها كتُب ومخطوطات تاريخية نادرة يتجاوز عمرها الـ200 عام، بالإضافة إلى وثائق تعود إلى فترة العهد العثماني الذي حكم المنطقة العربية.

مكتبة خزائن الجاحظ يعود تأسيسها الجغرافي إلى مدينة القدس الشريف، حيث شرع قبل قرنين من الزمان الجد الكبير لعائلة المعايطة المقدسية، خليل المعايطة، أبواب مكتبة “خزانة الجاحظ” التي انتقلت بعد ردح من السنوات إلى شمال شرق العاصمة الأردنية عمان ولتتخذ من مدينة الزرقاء مقرا لها ولتكون بذلك أول مكتبة يتم افتتاحها في المدينة، هذه السابقة التاريخية أعطتها ميزات عديدة، أولاها أنها كانت محطة أساسية للكتاب والمثقفين والشعراء، وثانيتها أنها كانت وجهة للباحثين الأكاديميين، وثالثتها أنها كانت مركزا هاما للمخطوطات القديمة التي تعتبر كنوزا معرفية ينبغي دراستها وتحليلها لفهم تطور المجتمعات وأسلوب حياتها والأحداث التي أثرت بها وكانت مفصلا أساسيا في تغيير أقدارها، ورابعتها أنها كانت المكتبة الخاصة الوحيدة التي لا تزال تعمل بنظام الاستعارة، دينار واحد مقابل كتاب واحد، لارابط بين الجاحظ صاحب البيان والتبيين والمكتبة التي حملت اسمه في وسط البلد بعمَّان، سوى أنّ كليهما تعرضا لنهاية غير متوقعة أو بتعبير أدق درامية مؤلمة تصلح في أفضل صورها أن تكون نهاية لفيلم سينمائي.

يكتفي الخبر بالقول “وهُرِعَت سيارات الإطفاء إلى مكان الحريق”، هذه الجملة التي استخدمها ناطق رسمي في الإبلاغ عن الحدث الذي هز كل من زار المكتبة ولو مرورا، تكشف عن التقصير العام والإهمال الذي تعانيه مراكز من المفترض أنها تضم بين جنباتها أمانة تاريخية.

هنا سأستحضر نموذجين للتعامل مع المراكز التي تضم في فضاءاتها مخطوطات عربية تمثل في كل ورقة منها كنزا معرفياغير منته، الأول أوروبي في المكتبة الملكية في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن، فحين زرت المكان الواقع بالقرب من البرلمان، وجدت نظاما أمنيا فائق التطور لحماية هذه الأسرار التاريخية التي تعود لحقبات عربية مختلفة، أما الثاني فمركز جمعة الماجد للثقافة والتراث في دبي بالإمارات العربية المتحدة، يمكن الحديث هنا عن شقين في النموذج العربي، المكتبة والصرح الثقافي بالقرب من شارع صلاح الدين، ومركز ترميم ومعالجة المخطوطات في منطقة القصيص بدبي، هذان المكانان يخضعان لنظام عناية يتفوق في الكثير من تفاصيله على النظام الأوروبي، طبعا لا أضع مجال المقارنة بين الأمثلة كلها مع مكتبة خزائن الجاحظ في عمان، لكن أشير فقط إلى ضرورة ربط هذه المكتبات التي تملك قيمة تاريخية وإرثا كبيرا بنظام حكومي متكامل مبني على توقع حدوث ما قد يحدث من سرقة أوسطو أو حريق.

الأمم تبقى وتستمر تاريخيا بمقدار حفاظها على تراثها، فالحفاظ على المخطوطات وما ساواها أو شابهها ليس ترفا يقوم به الأفراد أو الحكومات، إنه ضرورة إنسانية تتعلق بالذاكرة الشخصية والجمعية للفرد والمجتمعات على حد سواء، فالمعادلة واضحة أمامنا في شواهد تاريخية عن أمم نسمع بها ولا أثر لوجودها لأنّ غزاتها قاموا بتدمير كل ما يتعلَّق بالتراث قبل استباحة الأرض، وإن كنا نجونا بتراثنا كعرب من الاندثار، بالرغم من كل كوارث الحروب التي اتخذت من جغرافية منطقتنا مسرحا لها، فهل نبقى نشاهد بصمت والحرائق تلتهم كلّ شيء من حولنا في ظل انهيار الأوطان الذي سيسجلنا التاريخ شهودا عليه، شئنا أم أبينا في زمن التيه هذا.

كاتب سوري

13