الجاسر و"ظفر" المرشد

الأربعاء 2014/04/16

يبدو أن الزميل جاسر الجاسر قد دخل عش الدبابير بمقاله الأخير عن الإخوان وتغلغلهم في السعودية. الغريب لم يكن الهجوم بحد ذاته فهذا متوقع، بل الغرابة في تعدد مصادره.

ولاشك أن الدهشة من تنوع مصادر الهجوم تزول حينما نقرأ شهادة بشير نافع في مقاله المنشور في 9 أبريل في القدس العربي، وهو يتحدث عن استحالة هزيمة جماعة الإخوان.

سأنقل ما يهمنا هنا نصا: “يوجد في التيار الإخواني من هم أقرب في اعتقادهم للتصور السلفي الحنبلي، للسلفي الوهابي، للسلفية الإصلاحية، للأشاعرة، لمن يقبل شيئـا من أفكار المعتزلة أو المرجئة، أو حتى من لا يكترث كثيرا بالخلافات العقدية التقليدية؛ من يوافق الشيعة في هذه المسألة أو تلك، ومن ينتمي إلى أحد المذاهب الفقهية، أو من لا يعتبر الحدود الفقهية المذهبية ملزمة؛ من يؤمن أن القرآن والحديث هما المصدران الأساسيان للدين، ومن لا يرى صحة أغلب الأحاديث؛ من يؤمن بضرورة تحويل الدولة الحديثة إلى دولة إسلامية، أو من يرفض منح هذه الدولة حق تمثيل الدين، ولا يطالب سوى بحرية الدعوة إلى الإسلام واحترام الدولة لقيم المجتمع المسلم ومواريثه”.

هذا يبرر أن يتصدى أكاديمي يدعو إلى الحريات بأنواعها لمقال الجاسر بل ويطالب بإيقافه وأمثاله ممن دأبوا على كشف التنظيم وأساطينه، كما يبرر تصدي السلفي للمقال وللكاتب، ويبرر لغيرهما كذلك حسب تلك التصنيفات التي أوردها نافع.

قد يرى البعض أن هذا يعكس رأيا شخصيا ولا يعتد به كدليل على تعدد المؤيدين لهذه الجماعة، هذه الرؤية قد تكون صحيحة ما لم تتفق أدبيات التنظيم الدولي وتعبيراته وشعاراته مع التصنيفات المذكورة في مقال بشير والذي نستخلص منه، بل من الاقتباس، أن الإخواني يمكن أن يكون سلفيا أو ليبراليا أو شيعيا (في جانب معين فقط) أو أشعرياً، ولكن (من وجهة نظري) لا يمكن أن يكون الليبرالي الحق أو السلفي الحق أو الشيعي الحق أو الأشعري الحق إخوانيا. الفيصل هنا هو الأدبيات والأفكار.

معظم، إن لم أقل جميع، من شارك في الهجوم على مقال الجاسر المنشور في الحياة يتفقون في نقاط محددة تربط بينهم وإن اختلفت مشاربهم وتوجهاتهم. هذه الروابط تضمها صحيفة القدس العربي الصادرة في لندن، وللتأكد من ذلك فلا أسهل من تصفحها لعدة أيام لنرى تلك الخصائص المشتركة التي تجمعهم.

ودعونا نبدأ بـ”فصيل” القاسم صاحب برنامج خوار الثيران وهـو يطلـب من العربـان التعلم من أردوغان. فبعد حديث طويل عن منجزات السلطان العثماني يقول “أليس من السخف أن يشتكي البعض من الخطر الإيراني المحدق بالمنطقة، ثم يعادي فـي الوقـت نفسـه الأحـزاب الإسلاميـة السنيـة التي يمكن أن تكون سندا له في مواجهة ما يسمونه بالخطر الشيعي “الرافضي”؟

وبصرف النظر عن عبارة “ما يسمونه” التي تشير إلى عدم اعترافه بهذا الخطر، لم يتطرق القاسم إلى التحالف الأردوغاني الخامنئي. أليس من السخف أن تعادي فريقـا ولا تعادي حليفه الأوثـق؟

هاهي أولى الروابـط تظهر على السطح. منجزات أردوغان والخطر الإيراني. منجزات عجيبة في دولة تملك الثروة الزراعية والحيوانية والنفطية، إضافة إلى أنها ممر للغاز والنفط لدول الاتحاد السوفييتي السابق ولا تتعرض لأية أخطار محيطة بها وصاحبة تاريخ وحضارة ولديها مع ذلك عجـز يبلغ 65 مليار دولار، بينما دولة كالسعودية لا تملك سوى الثروة النفطية وبدأت من الصفر ولم تتجاوز المئة عام منذ توحيدها ومعظم أراضيها صحراوية، ومع ذلك لديها فائض في الميزانية وإنجازات غير موروثة الأسس، فأيهما أحق بالافتخار بإنجازاته؟

قبل أن ننتقل إلى رأي القدس لنقرأ هذا الرابط المشترك المضحك الذي ورد من سعيد الشهابي ويؤكد فيه أن الإخوان لا يؤمنون بالعنف ولا بالإرهاب ويوجه أصابع الاتهام إلى التيار السلفي فيقول: “وتجدر الإشارة إلى أن التيار السلفي المدعوم من السعودية لعب ثلاثة أدوار: تحالف مع الإخوان في بداية الأمر، ثم مع العسكر للانقلاب على الإخوان، ثم مارس العنف ليلقى باللوم على الإخوان”. ما سبق شنشنة نعرفها من أخزم ولا تعليق سوى ابتسامة ساخرة.

لنترك القاسم ومجموعة الجزيرة العاملة في القدس العربي فلن يأتوا بجديد ورفاقهم من حاملي أجندتهم في الردح اليومي، ولننظر إلى الروابط المشتركة مع رأي القدس العربي. في ما يتعلق بمصر مثلا ما زالت القدس العربي تحوم حول الشرعية ورابعة وتصور عجز الحكومة المصرية المؤقتة عن ضبط الوضع الأمني، وتتهمها بالتغاضي عن الفساد والمخالفات القانونية وتتحدث عن انتشار السلاح الشخصي وانتشار الشركات الأمنية والكثير مما يمكن اعتباره من حكايات الأول من أبريل. ثم ماذا؟ لا توجد إشارة إلى ما يقوم به التنظيم الدولي من حرب استنزاف داخلي يتزايد بفضل البترودولار القطري. وفي نفس الوقت لابد من اتهام الإعلام بالتعتيم على ما يجري. كم علامة تعجب سأضعها هنا؟

أما القضاء المصري فهو في عرف الصحيفة مؤشر لتردي الوضع لأنه قَبِل بالدعاوى القضائية ضد إعلاميي الجزيرة، ولأنه يقاضي الناشطين. لعل القدس العربي تفضل الطريقة الأردوغانية في سجن الإعلاميين وتخويـن الناشطين دون محاكمات.

ولابد من الإشـارة طبعـا إلـى “الطبول التي تضرب في طول البلاد وعرضهـا، كي لا يعلو صوت على صوت صعود القائد المنتظـر حامي برّ مصر من وحوش الإرهاب”.

ولاشك كذلك فلأحداث أسوان التي وصفتها بالمجزرة نصيب من رأيها حتى احترنا بين ما تشير له من إعلان بعض الأهالي في أسوان عن عدم علاقة الإخوان بما حدث، وأن الصراع لا علاقة له بالسياسة، ثم وبعد أسطر قليلة تقول القدس “المطلوب علاج للجذور السياسية والثقافية التي أدت إلى تراكم كل هذا الغضب، والعنف والرفض للدولة ورموزها”.

لنخرج من الشأن المصري وننتقل إلى العراق ولنرى الرابط هنا أيضا. طبعا القدس العربي لابد أن تتناسى دور القواعد الأميركية التي انطلقت منها عشرة آلاف طائـرة في اليــوم الأول لاحتــلال العـراق. حتى وإن زعموا أن هذه الطائرات كانت مسلحة برصاص لا صواريخ ففي رقـاب القــوم على أقل تقـدير عشـرة آلاف ضحيـة فـي اليوم الأول فقط في حرب الأسابيع الثلاثة.

هي لم تُشر إلى ذلك، ولكنها ركزت على أن الاحتلال الأميركي كسر المشروع القومي العربي، وأن تسليم العراق لإيران شقّ المنطقة العربية طائفياً، وبالتالي شكَّل الأمران ما قالت عنه “كبحا فظيعا للثورات العربية التي حاولت أن تعيد البوصلة السياسية العربية إلى مكانها الحقيقي حيث تعني كلمات مثل الحرية والوحدة والاشتراكية معاني حقيقية”.

كأني بهذه الشعارات تنطلق من مكان غير بعيد، فقد عهدنا أقواما ينادون بها لغيرهم ويباركون انتخابات غيرهم وهم أحوج بها من الجميع. كما عهدنا أقواما آخرين جعلوا من هذه الشعارات وجبتهم الصوتية اليومية الرئيسة.

الحقيقة أن مساحة المقال لا تكفي لسرد تلك المشتركات والروابط ولكن سأشير إلى بعضها كاتهام السعودية بالاستبداد، والاحتفـاء بشارة رابعـة التـي رفعهـا خليفتهـم العثماني عقب فوز حزبه في الانتخابات البلدية، وتوافق الخصوم مع الأميركيين والصهاينة، ولاشك الهجوم المستمر على السعودية وسياساتها وتخطئتها على الـدوام في مقابل تمجيد المرشد و”أظافره”.

نسيت أن أقول لكم؛ القدس العربي يملكها حمد بن ثامر آل ثاني، فهل يمكن أن تعمل الصحيفة في إطار توجيهات عزمي بشارة، وهل يمكن أن تكون تلك الروابط المشتركة التي جمعت القوم بمختلف أنواعهم إنما هو نتيجة حتمية لغسيل دماغ جماعي بدأ عام 2008 ووصل ذروته بتقديس أظافر المرشد العام.


كاتب سعودي

9