الجاسوسية الصناعية: كل شيء رهن عملاء الداخل

شركات تبني قوتها ونفوذها بسرقة أسرار المنافسين، من خلال زرع عملاء في المواقع مهمة ليصبحوا مصدرا مستمرا لتدفق المعلومات.
الأحد 2018/05/20
عدو بمظهر صديق يترصد أسرار الشركة

واشنطن - ترفع وتيرة الحرب التجارية بين الشركات العالمية من خطر التجسس الاقتصادي واختراق الشركات من قبل جواسيس وعملاء تابعين لشركات منافسة. وقد جعل التطور السريع في التكنولوجيات والتوسع المفاجئ والكبير في تقنية الحواسيب والإلكترونيات والاقتصاد العابر للحدود من التجسس الصناعي مشكلة أساسية في عالم التجارة الحديثة.

ومؤخرا، حذرت هيئة حماية الدستور الألمانية (الاستخبارات الداخلية) من التجسس الاقتصادي الذي تقوم به دول مثل الصين عبر شراء الشركات والاستحواذ عليها أو الاندماج فيها.

وقد صرّح رئيس الهيئة هانز- جورج ماسن في برلين بأن التهديد الذي يشكله التجسس في المجال الاقتصادي يتزايد بوجه عام، موضحا أن الأمر لم يعد يقتصر على التجسس على الشركات المنافسة، بل يمتد أحيانا إلى التخريب والاستعداد لخلافات سياسية محتملة.

ويسلط تقرير نشره حديثا مركز ستراتفور للدراسات الأمنية والاستراتجية الضوء على هذا النوع من التجسس، محذرا من التهديد الذي تشكله الجاسوسية الأجنبية على الأسرار التجارية الغربية.

 ويوضح التقرير هذا الخطر من خلال نموذجي الاتحاد السوفييتي خلال الحرب الباردة، والصين اليوم في ظل الحرب التجارية حامية الوطيس بينها وبين الولايات المتحدة وأوروبا.

تحقيق النجاح

تميل المناقشات عند الحديث عن موضوع الجاسوسية الصناعية والملكية الفكرية إلى التركيز على قناصة البيانات، الذين يسرقون معلومات قيّمة وينقلونها إلى جهات منافسة أو لوسائل إعلام. وتمثل هذه الخسائر تهديدا مهمّا.

وتشير بعض الدراسات إلى أن النسبة تصل إلى 59 بالمئة من الموظفين يخرجون بمعلومات حساسة حين يغادرون مقر العمل، وفي بعض الحالات يكلف هذا الشركات مئات الملايين من الدولارات.

في حالة لا تزال منظورة أمام محكمة اتحادية في ولاية ويسكونسن الأميركية على سبيل المثال، خسرت شركة أميركان سوبر كونداكتور كورب لتكنولوجيا الطاقة نحو 800 مليون دولار في صورة عقود حين استولى مهندس سابق كان يعمل بإحدى الشركات التابعة لها على شفرة رئيسية لمولدات رياح وباعها لأكبر عملاء الشركة، وتبين أن المستفيد هو مجموعة سينوفيل الصينية.

الدجاجة التي تبيض ذهبا

التجسس الصناعي

سرقة معلومات تجارية سرية خاصة وحساسة تمتلكها شركة ما، حتى يستطيع منافسوها الاستفادة منها. وقد يتخذ التجسس الصناعي عدة أشكال، بما في ذلك السرقة المباشرة للصيغ والمواصفات الفنية، والعمليات والتصميمات ومعدات المراقبة الإلكترونية المتطورة، أو رشوة أو ابتزاز الموظفين

يحذر ستراتفور من التهديد الذي تشكله الجاسوسية الأجنبية على الأسرار التجارية الغربية، مشيرا إلى أن الصين طورت على مدى عقود برامج حكومية الهدف منها تحقيق تكافؤ تكنولوجي مع الغرب، وترتبط شركاتها المملوكة للدولة بعلاقات وثيقة مع أجهزة المخابرات.

ويذكر هانز- جورج ماسن أن كل شركة صينية ملزمة بالتعاون مع الاستخبارات الصينية، ما يعني إمكانية وصول بيانات حساسة للاستخبارات.

نفس الشيء تفعله روسيا، التي توسعت بشكل كبير للغاية في عمليات التجسس الصناعي تحت قيادة الرئيس فلاديمير بوتين. واليوم، لا يفصل سوى خيط رفيع بين الشركات الروسية ووكالات المخابرات الروسية بما أن العديد من ضباط المخابرات السابقين يتقلدون الآن مواقع بارزة في قطاعات الأعمال.

وبخلاف روسيا والصين، فإن ضباط المخابرات السابقين يتقلدون عادة مناصب رفيعة في شركات خاصة تتخصص في معلومات الأعمال تتواصل معها شركات عمـلاقة بعد ذلك لسـرقة بيـانات من منافسيها.

ونتيجة لذلك، أضحت عمليات التجسس التقليدية عاملا مهمّا في مجال الجاسوسية الصناعية، لكنها ليست العامل الوحيد، فلا يمكن إغفال التهديد من تكنولوجيا التجسس الأخرى، بما في ذلك استخدام العامل البشري في التجسس.

إن أي وكالة مخابرات سترحب بأي مواطن أجنبي يأتي إليها حاملا حقيبة تملؤها وثائق سرية. لكن أول شيء تعلّمه كل ضابط مخابرات هو أنه رغم أهمية مثل هؤلاء المتطوعين، فإن العملاء الذين يتم زرعهم في المواقع أكثر أهمية، يمكن لهم أن يصبحوا مصدرا مستمرا لتدفق المعلومات.

ولا يقتصر مثل هذا النوع من عمليات الاختراق على أجهزة المخابرات المعادية أو وزارات الخارجية أو الجيوش. ولعل أكبر انتصار مخابراتي حققه الاتحاد السوفييتي كان بسرقة معلومات مكنته من وضع برنامج تسلح نووي خاص به من خلال استهداف علماء أميركيين مثل تيودور هول وديفيد جرينجلاس ومورتون سوبيل.

ومن خلال ملفات خاصة بالمخابرات السوفييتية (كيه.جي.بي) سرّبها موظف أرشيف مهم إلى خارج روسيا عام 1992 تسلط الضوء على القدرات المميزة والمجربة التي استخدمها الروس في الحصول على معلومات علمية وتكنولوجية. بعبارة أخرى، الحصول على أسرار تجارية ومعلومات تتعلق بالملكية الفكرية.

في المجال الأكاديمي على سبيل المثال، فإن لوكالات المخابرات تاريخا طويلا في تجنيد الطلبة ممن لا يزالون يدرسون ودفعهم للتقدم في وظائف في وزارات أو شركات تود هذه الوكالات أن يكون لها فيها عملاء.

وحقق السوفييت نجاحا باهرا في عمليات من هذا النوع، لعل أشهرها شبكة الجاسوسية التي عرفت باسم “خماسي كيمبريدج”، التي اخترقت مؤسسة المخابرات البريطانية ووزارة الخارجية أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها.

ولم تتوقف مثل هذه العمليات بنهاية الحرب الباردة. ففي عام 2010، اعتقل الطالب الأميركي جلين شريفر متهما بمحاولة اختراق المخابرات المركزية الأميركية ووزارة الخارجية لصالح عملاء من المخابرات الصينية.

وتورط طلبة وباحثون صينيون كذلك في العديد من حالات الجاسوسية الصناعية في شركات غربية. وكان عدد كبير من ضباط المخابرات الروس الذين اعتقلوا عام 2010 مسجلين في جامعات أميركية بينها هارفارد وكولومبيا ونيويورك وسيتون هول وجامعة واشنطن، حيث يعتقد أنهم سعوا للبحث عن عملاء محتملين وتجنيدهم.

قناصة البيانات خطر يهدد المؤسسات
قناصة البيانات خطر يهدد المؤسسات

أقصى درجات اليقظة

تتسبب عمليات التجسس المتقدمة التي يقوم بها عملاء يتم زرعهم في موقع ما في تغيير شكل الجاسوس وسلوكه مقارنة بعميل ينشط في شركات.

ومقارنة بقناصة البيانات، تقل احتمالات أن يقدم مثل هؤلاء الموظفين على تحميل كميات هائلة من المعلومات، بل إن من يشغّلونهم سيشجعونهم أكثر على جمع المعلومات تدريجيا وبطريقة لا تلفت الانتباه.

وعلى نفس المنوال، فإن أي مؤسسة لديها عميل دائم في شركة لن تقدم على الأرجح على القيام بضربة كتلك التي قامت بها مجموعة سينوفيل الصينية، لكنها ستعمل بدلا من ذلك على الاستفادة بذكاء من المعلومات المسروقة. ومثل هذا النوع من السيطرة الذكية يدل أيضا على تطبيق تكتيك مخابراتي متقدم.

وللمساعدة في حماية معلومات الملكية الفكرية، لجأت بعض الشركات إلى استخدام برامج أمن تساعد في تحديد العملاء الذين يشكلون تهديدا داخليا والحد من الضرر الذي قد يشكلونه.

ويستخدم الكثيرون أدوات إلكترونية أيضا. لكن ما لم تنجح الشركات في تصميم الأدوات التي تساعد على رصد أي سلوك سري لعملاء الداخل وكذلك لقناصة البيانات، فإن برامج الإنترنت قد تظل بلا قيمة بالنسبة إلى هذه الشركات.

7