الجاليات الأجنبية بأسبانيا مهددة باستهدافها عنصريا

الملفت للانتباه في بعض الدول الأوروبية في الآونة الأخيرة هو ممارسة سلطاتها الأمنية سياسة متشددة مع الأجانب، خاصة الفئة الفقيرة منها والتي غالبا ما تكون قد هاجرت بشكل غير شرعي إلى تلك البلاد. ويعتبر مراقبون أن هذه السياسة غير المألوفة سابقا تعود إلى صعود اليمين في المشهد السياسي الأوروبي وأيضا الأزمة الاقتصادية التي تعيشها أوروبا بشكل استثنائي مقارنة بباقي دول العالم. وفي هذا السياق، يتنزل حدث موت أحد المهاجرين السينغاليين بالسقوط من أعلى شرفة بعد مطاردة الشرطة له لممارسته نشاط بيع منتوجات مقلدة في الشارع دون ترخيص.
الخميس 2015/08/20
مسيرة الجالية السنغالية في أسبانيا للتنديد بالممارسات العنصرية ضدها

مدريد - واصل مئات السنغاليين تظاهرهم بأسبانيا احتجاجا على مقتل أحد مواطنيهم الأسبوع الماضي إثر سقوطه من شرفة خلال فراره من الشرطة أثناء عملية مكافحة الباعة الجائلين الذين يعملون دون تصريح. وذكرت وسائل إعلام أن مئات المهاجرين السنغاليين نظموا وقفة احتجاجية في العاصمة الأسبانية مدريد، في ساحة “سول” المركزية، للمطالبة بالشفافية في التحقيقات حول مقتل المواطن السنغالي الذي يبلغ من العمر 50 عاما، منددين بما أسموه “التمييز العنصري ضدهم”.

وتعد هذه التظاهرة الأولى في مدريد والثالثة في أسبانيا بشكل عام، بعد تظاهرتين وقعتا يوم الحادثة وتظاهرتين في الأيام الموالية، نظمها مئات السنغاليين في شوارع بلدة “سالو بيري جرانادوس” الساحلية الواقعة في مقاطعة “تاراغونا” بإقليم كتالونيا، وهي البلدة التي شهدت الواقعة.

وقال أمادو ديوب وهو مهاجر سنغالي شارك في إحدى التظاهرات أن “الحادثة تسلط الضوء على الوضع المزري للتعامل مع المهاجرين في أسبانيا، فعندما نطالب بشفافية التحقيق فنحن نؤكد أن المهاجر ليس بمفرده وأن وراءه قوة من المهاجرين المنتجين الذين يتعايشون بشكل سلمي مع المجتمع ويدفعون الضرائب بشكل مستمر ويجب احترامهم ومعاملتهم كبشر”. وصرحت فاتيماتا سي وهي مهاجرة سنغالية أيضا أن “هنالك أمورا غير واضحة في العملية الأمنية التي قامت بها الشرطة. المهاجرون في أسبانيا متعودون على التعامل مع الشرطة، خصوصا في الأماكن التجارية أو الأحياء التي تقطنها أغلبية من المهاجرين والحال نفسه في كل المدن الأسبانية، ورواية الشرطة لا تبدو منطقية، فمهاجر يبلغ من العمر 50 عاما، استحالة أن يخاف من الشرطة إلى درجة أن يرمي بنفسه من الشرفة وينتحر”.

الحادثة تسلط الضوء على الوضع المزري للتعامل مع المهاجرين في أسبانيا

وطالب المهاجرون السنغاليون، خلال المظاهرة بوقف ما وصفوه بـ”اعتداءات الشرطة المتكررة في حق المهاجرين”، و”تطبيق سياسة أمنية تدفع للتعايش واحترام المهاجرين وإظهار نتائج تحقيق شفاف في مقتل المواطن السنغالي”.

وانتهت المظاهرات دون وقوع حوادث ولا صدامات مع الشرطة في البداية، ثم انصرف المحتجون إلى حي لافابييس المركزي في مدريد وهو حي تقطنه أغلبية من الجاليات السنغالية والعربية واللاتينية والصينية وهو معروف باسم “حي المهاجرين”، معلنين انتهاء تظاهرتهم. وفي نهاية التظاهرة أعلن المحتجون أنهم سيقومون بمسيرات أخرى “لممارسة الضغط من أجل محاسبة من تسببوا في الحادث وإظهار الحقيقة للرأي العام”، ولكن أدى عدد من التحركات الاحتجاجية الأخرى التي حدثت إلى اضطرابات خطيرة نجم عنها قطع السكك الحديدية، حيث توقف عن السير ما لا يقل عن اثني عشر قطارا جهويا ووطنيا. وسط اشتباكات بين المتظاهرين والشرطة حيث أسعفت خدمات الطوارئ عشرات الجرحى.

وحسب بيان للشرطة الأسبانية فإن رجلا يبلغ من العمر 50 عاما قفز من الشرفة دون تدخل من عناصرها الذين دخلوا المنزل لاعتقاله خلال عملية لمكافحة الباعة الجائلين الذين يعملون دون تصريح. وطالب عمدة “سالو بيري جرانادوس”، خلال مؤتمر صحفي، في وقت سابق، بالحفاظ على السلم المجتمعي في البلدة السياحية المطلة على ساحل البحر المتوسط، والتي يوجد بها أكثر من 100 جنسية مختلفة.

المهاجرون السنغاليون يطالبون بوقف ما وصفوه بـاعتداءات الشرطة المتكررة في حقهم وتطبيق سياسة أمنية تدفع للتعايش واحترام المهاجرين

ومن جهة أخرى، أشار أقارب الضحية إلى أن “الشرطة الكتالونية دخلت المنزل وشعر الضحية بالخوف، فهلع نحو الشرفة، حيث دفعوه بقصد أو بغير قصد”. ورغم ذلك، فإن مسؤول الداخلية بالحكومة الكتالونية “جوردي جانيه” أكد خلال مؤتمر صحفي أن عناصر الشرطة لم يمسوا الضحية.

ونقلت وكالة الأنباء الّأسبانية أن محامي الشعب (المدعي العام) بكتالونيا قرر فتح تحقيق للوقوف على ملابسات الحادث في ظل “الروايات المتضاربة” لكلا الطرفين. وطالب الحزب الاشتراكي الشعبي الكتالوني (اليساري) بتوضيح ملابسات الحادث واعتقد أنه كان يمكن تجنب هذا الحادث وإنقاذ الرجل من الموت. وأعرب الحزب عن “عدم تفهمه لمطاردة الشرطة المستمرة لهؤلاء الباعة الجائلين الذين يبحثون عن لقمة عيشهم”.

وصرح الحزب أن هذه “الحادثة كانت نتيجة للسياسات العنصرية، والإقصائية وكره الأجانب والفصل العنصري التي يقودها الاتحاد الأوروبي وأسبانيا وكتالونيا والعديد من البلديات”. وأوضح أن الجرائم ضد الملكية الفكرية (بيع منتجات الموضة المزورة) ليست أولوية اجتماعية في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة، وهي تعلة للضغط على المهاجرين بدافع عنصري”.

ومن جانبه أفاد جاومي أسينس مستشار حزب “بكومو” اليساري في بلدية برشلونة أن الحادث مؤسف جدا وأضاف قائلا “كلنا شركاء في هذه الجريمة، البعض أكثر من البعض الآخر”. وفي بيان آخر، أعرب التحالف الحاكم اليميني عن أسفه للحادث لكنه يرفض أي شكل من أشكال العنف خلال المظاهرات “لأن سالو هي مدينة عالمية للتعايش بين الثقافات ويعمها السلام والتسامح”، وهو ما دعا بعض اليساريين إلى الخروج في تحركات احتجاجية مؤكدين أن التسامح الذي تتحدث عنه الحكومة اليمينية هو دعاية لا أساس لها من الصحة.

13