الجالية الجزائرية مواطنون درجة ثانية في بلادهم

جراء الإهمال والتهميش صارت الجالية الجزائرية مفصولة عن وطنها ومغتربة عن هويتها الثقافية واللغوية. وتحوّلت إلى فريسة لليمين الفرنسي المتطرف داخل مراكز العمل.
الخميس 2019/11/14
تعسف واستبداد ضد الجالية الجزائرية في بلادهم

تبيّن الترشيحات للانتخابات الرئاسية في الجزائر (12 ديسمبر) الإقصاء الكامل للشخصيات الوطنية التي تنتمي إلى نسيج الجالية الجزائرية المقيمة في الخارج بسبب القوانين المجحفة التي فرضها النظام الجزائري ضد أي مواطن جزائري يحمل الجنسية المزدوجة أو المتزوج بأجنبية.

ويؤكد هذا الوضع الغريب أن النظام الجزائري ما زال يصرّ على ممارسة التمييز بين الجزائريين ويناصب العداء للجالية المقيمة في الخارج سواء في الدول الغربية أو في الدول العربية والإسلامية. تعمق هذا العداء في عهد الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة وتم ترسيمه بواسطة القوانين التي حوّلت أعضاء هذه الجالية إلى غرباء عن وطنهم.

والجدير بالذكر هنا، هو أن الجالية الجزائرية المقيمة في فرنسا تعيش واقعا ثقافيا وهوياتيا يطغى عليه التهميش من طرف المجتمع الفرنسي من جهة ومن طرف النظام الحاكم في الجزائر من جهة ثانية.

بعد صدور  القوانين المجحفة في عام 2016، تم صدور قوانين إضافية أخرى تمنع المتزوجين من أجنبيات وحملة جوازات السفر الأجنبية من تقلد المناصب السامية المتوسطة

في عهد الحكم المطلق بقيادة جبهة التحرير الوطني تأسست الودادية الجزائرية للمغتربين كإطار سياسي وتنظيمي. كان القصد الحقيقي من تلك الودادية خلق وعاء انتخابي يستفيد منه النظام في مواسم الانتخابات والسيطرة على حركة كافة الشرائح البشرية الجزائرية سواء في المهجر أو في الفضاء الجغرافي الوطني بالجزائر.

والدليل على ذلك أن الجالية الجزائرية هذه لم تخصص لها المؤسسات التربوية والاقتصادية والثقافية والإعلامية فضلا عن البنوك التي تجعلها ترتبط بالوطن وتحقق لها وجودها المادي والمعنوي في ديار الغربة.

وأكثر من ذلك فإن النظام الجزائري لم يفعّل إيجابيا حتى الجانب الخاص بالجالية الجزائرية ضمن إطار أدبيات اتفاقيات إفيان. وحتى المركز الثقافي الجزائري الذي أنشئ في باريس فهو مؤسسة فاشلة وبدائية ونخبوية ويعيّن على رأسها رجال النظام. وزيادة على ذلك فهو لم يلعب أي دور يستحق الذكر والاحترام لصالح تثقيف وتنوير المكوّن البشري لهذه الجالية مهضومة الحقوق.

وفي الحقيقة فإن هذا المركز الثقافي الجزائري ليس له أي نشاط ثقافي أو تربوي أو فني أو اجتماعي له قيمة وهو في آخر المطاف مجرد خيمة فرانكوفونية يدخلها فقط من له علاقات الولاء مع مديره ومع من وضعوه على رأس هذه المؤسسة البيروقراطية.

جراء هذا الإهمال والتهميش صارت الجالية الجزائرية مفصولة عن وطنها ومغتربة بالكامل عن هويتها الثقافية واللغوية. وتحوّلت بالتالي إلى فريسة لليمين الفرنسي المتطرف داخل مراكز العمل وفي مواقع إقامتها بالمدن الفرنسية وفي ضواحي باريس.

وموقف النظام الجزائري من الجالية في المهاجر يتميز بالتعسف والاستبداد منذ الاستقلال إلى اليوم. فما معنى القوانين الرسمية التي صدرت في عهد بوتفليقة وصادق عليها البرلمان والحكومة والمجلس الدستوري وهي في مجملها تمنع أي مغترب جزائري يحمل جنسية أجنبية، حتى وإن كانت من إحدى الدول العربية أو المغاربية أو الإسلامية، من تبوء المناصب السامية العليا والمتوسطة في الجمهورية الجزائرية التي تحمل شعار “الشعبية” و”الديمقراطية”؟

الجالية الجزائرية المقيمة في فرنسا تعيش واقعا ثقافيا وهوياتيا يطغى عليه التهميش من طرف المجتمع الفرنسي من جهة ومن طرف النظام الحاكم في الجزائر من جهة ثانية

ونقتطف هنا نصا يوضح تعسف هذه القوانين المعادية للمواطنة كما تحددها وتعرفها الشرائع الدولية: “يمنع القانون رقم 17-01 على مزدوجي الجنسية، تولي 15 وظيفة بالدولة، هي رئيس مجلس الأمة، ورئيس المجلس الشعبي الوطني، والوزير الأول، ورئيس المجلس الدستوري، بالإضافة إلى أعضاء الحكومة، الأمين العام للحكومة، الرئيس الأول للمحكمة العليا. وضمّت الوظائف، رئيس مجلس الدولة، ومحافظ بنك الجزائر، ومسؤولي أجهزة الأمن، ورئيس الهيئة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات، وقائد أركان الجيش الوطني الشعبي، وقائد القوات المسلحة، وقادة النواحي العسكرية، وكل مسؤولية عليا عسكرية محددة عن طريق التنظيم”.

بعد صدور هذه القوانين المجحفة في عام 2016، تم صدور قوانين إضافية أخرى تمنع المتزوجين من أجنبيات وحملة جوازات السفر الأجنبية من تقلد المناصب السامية المتوسطة أيضا مثل منصب رئيس الدائرة أو المدير المركزي في المؤسسات والوزارات.

وهنا نتساءل: لماذا سكتت أحزاب المعارضة وجمعيات المجتمع المدني ومختلف هيئات حقوق الإنسان في الجزائر عن هذا الإجراء التعسفي المناهض للجزائريين المغتربين، والذين يقدر عددهم بحوالي 5 ملايين جزائري؟ ولماذا التزمت النقابات الصمت أيضا؟ ولماذا سكت الاتحاد المغاربي والاتحاد الأفريقي، علما أن قوانين هذين الاتحادين تلزم الدول الأعضاء فيهما باحترام حقوق المواطنة والإنسان؟ ولماذا لم يعارض الحراك الشعبي موقف النظام الجزائري من هذه القضية الكبرى والخطيرة، والحراك يعرف تماما أن قوانين منع حامل الجنسية الأجنبية من المناصب السامية قد صدرت في الحقيقة لمنع رشيد نكاز من الترشح للرئاسيات؟ ثم لماذا يكثر اللغط ضد عصابة بوتفليقة ويكرّس السكوت على دستوره الرجعي والاستبدادي؟

9